تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال:

محب طوى كشحا على الزفرات

وإنسان عين خاض في غمرات

فيا من بعينيه سقامي وصحتي

ومن في يديه ميتتي وحياتي

بحبك عاشرت الهموم صبابة

كأني لها ترب وهن لداتي

فخدي أرض للدموع ومقلتي

سماء لها تنهل بالعبرات •••

أدعو عليك فلا دعاء يسمع

يا من يضر بناظريه وينفع

للورد حين ليس يطلع دونه

والورد عندك كل حين يطلع

لم تنصدع كبدي عليك لضعفها

لكنها ذابت فما تتصدع

من لي بأجرد ما يبين لسانه

خجلا، وسيف جفونه ما يقلع

منع الكلام سوى إشارة مقلة

منها يكلمني وعنها يسمع •••

بزمام الهوى أمت إليه

وبحكم العقار أقضي عليه

بأبي من زها علي بوجه

كاد يدمي لما نظرت إليه

ناول الكاس واستمال بلحظ

فسقتني عيناه قبل يديه

وله في أبواب الشعر التقليدية الأخرى الشيء الكثير من مديح وهجاء ووصف ورثاء، فيقول في الهجاء:

ما بال بابك محروسا ببواب

يحميه من طارق يأتي ومنتاب

لا يحتجب وجهك الممقوت عن أحد

فالمقت يحجبه من غير حجاب

فاعزل عن الباب من قد ظل يحجبه

فإن وجهك طلسم على الباب

وكان كثيرا ما يمزج الهجاء بالسخرية:

رجاء دون أقربه السحاب

ووعد مثل ما لمع السراب

ودهر سادت العبدان فيه

وعاثت في جوانبه الذئاب

وأيام خلت من كل خير

ودنيا قد تدرعها الكلاب

كلاب لو سألتهم ترابا

لقالوا: عندنا انقطع التراب

وفي الوصف يقول في روضة:

وروضة عقدت أيدي الربيع بها

نورا بنور، وتزويجا بتزويج

بملقح من سواديها وملقحة

وناتج من غواديها ومنتوج

توشحت بملاة غير ملحمة

من نورها ورداء غير منسوج

فألبست خلل الموشي زهرتها

وجللتها بأنماط الديابيج

وقال يمدح القائد أبا العباس:

الله جرد للندى والباس

سيفا فقلده أبا العباس

ملك إذا استقبلت عرة وجهه

قبض الرجاء إليك روح الياس

وبه عليك من الحياء سكينة

ومحبة تجري مع الأنفاس

وإذا أحب الله يوما عبده

ألقى عليه محبة للناس

ويمدح آخر بأنه سهل اللفظ، حسن الكلام، وهو يدل على رأيه في البلاغة:

قول كأن فرنده

شحذ على ذهن اللبيب

لا يشمئز على اللسا

ن ولا يشذ على القلوب

لم يغل في شنع اللغا

ت ولا يوحش بالغريب

سيف تقلد مثله

عطف القضيب على القضيب

هذا تحز به الرقا

ب وذا تحز به الخطوب

وله شعر كثير في مدح عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان شاعره، مثل:

يا ابن الخلائف إن المزن لو علمت

نداك ما كان منها الماء ثجاجا

والحرب لو علمت بأسا تصول به

ما هيجت من جبال الدين أهياجا

في نصف شهر تركت الأرض ساكنة

من بعد ما كان فيها الطير قد ماجا

وجدت في الخبر المأثور منصلتا

من الخلائف خراجا وولاجا

تملا بك الأرض عدلا مثلما ملئت

جورا، وتوضح للمعروف منهاجا

يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها

يا ليث حومتها، إن هائج هاجا

إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت

حتى عقدت لها في رأسك التاجا

ويقول في مدحه أيضا:

بدا الهلال جديدا

والملك غض جديد

يا نعمة الله زيدي

إن كان فيه مزيد •••

يا ابن الخلائف والعلا للمعتلي

والجود يعرف فضله للمفضل

نوهت بالخلفاء بل أهملتهم

حتى كأن نبيلهم لم ينبل

أذكرت، لا أنسيت ما ذكر الألى

من فعلهم فكأنه لم يفعل

وأتيت آخرهم وشأوك فائت

للآخرين ومدرك للأول

الآن سميت الخلافة باسمها

كالبدر يقرن بالسماك الأعزل

تأبى فعالك أن تقر لآخر

منهم وجودك أن يكون لأول

وله أرجوزة في مدح الخليفة الناصر أيضا وقعت في نحو أربعمائة وخمسين بيتا وصف فيها حروبه وغزواته، وتاريخ كل غزوة، وهي تخالف الملاحم القديمة كالإلياذة، بأنها أشبه ما تكون بالتاريخ المنظوم، ليس فيها خيال ولا افتخار، ولا شيء من ذلك، مثل قوله:

وبعدها غزاة ثنتي عشره

وكم بها من خبرة وعبره

غزا الإمام حوله كتائب

كالبدر محفوفا به الكواكب

وفي أولها يقول:

فالحمد لله على نعمائه

حمدا كثيرا وعلى آلائه

يا ملكا ذلت له الملوك

ليس له في ملكه شريك

ثبت لعبد الله حسن نيته

واعطفه بالفضل على رعيته

وقد جاء بعده من الأندلسيين أيضا أبو طالب عبد الجبار فنظم أرجوزة خيرا من أرجوزته، إذ كانت أطول وأشمل، وليست مجرد سرد لحوادث، بل مزجت بمعلومات كثيرة، فيها مثلا الأدلة على وجود الله، والحث على التفكر في العالم، والكلام على بدء الخليقة وسير الخلفاء الأربعة، وبني أمية، وبني أمية في الأندلس، وملوك الطوائف، ودولة المرابطين، بدأها بقوله:

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦٣