وأجوب نحوكم المنازل جاهدا
ومع اجتهادي فاتني ما أطلب
كالبدر أقطع منزلا في منزل
فإذا انتهيت إلى ذراكم أغرب •••
أنا شاعر أهوى التخلي دون ما
زوج لكيما تخلص الأفكار
لو كنت ذا زوج لكنت منغصا
في كل حين رزقها أمتار
كم قائل: قد ضاع شرخ شبابه
ما ضيعته بطالة وعقار
إذ لم أزل في العلم أجهد دائما
حتى تأتت هذه الأفكار
مهما أرم من دون زوج لم أكن
كلا ورزقي دائما مدرار
وإذا خرجت لنزهة هنيتها
لا ضيعة ضاعت ولا تذكار
وهي تدلنا على أنه لم يكن متزوجا على الأقل إلى إنشاء هذه القصيدة، وأنه صرف وقته في تحصيل العلم وتحصيل اللذة:
ما كنت أحب أن أضيع وأنت في الد
نيا وأن أمسي غريبا معسرا
أنا مثل سهم سوف يرجع بعدما
أقصاه راميه المجيد ليخبرا ... إلخ، وقوله:
يا واطئ النرجس ما تستحي
أن تطأ الأعين بالأرجل؟
هذا عرض صغير لشعره، ونرى فيه أنه يمتاز ببعد الخيال، وحسن التشبيه، وأنه صادق التعبير عن نفسه، يلون كثيرا من شعره بالحكمة اللطيفة.
وعلى كل حال، فليس شعره إعجازا، بل إرهاصا لابن عبد ربه، ومن بعده. (1-1) ابن عبد ربه
هو شاعر عبد الرحمن الناصر، وقد ذكرنا ترجمته فيما سبق،
4
والذي يهمنا هنا هو أدبه الإنشائي، ومن الأسف أننا لم نعثر له على ديوان، وكل ما نعرف له أبيات في كتب الأدب هنا وهناك، وأبيات في عقده من نظمه عارض بها من حكى لهم، فقال مثلا:
أنت دائي وفي يديك دوائي
يا شفائي من الجوى وبلائي
إن قلبي بحب من لا أسمي
في غناء، أعظم به من غناء
كيف لا، كيف أن ألذ بعيش
مات صبري به، ومات عزائي
أيها اللائمون ماذا عليكم
أن تعيشوا، وأن أموت بدائي
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
ويقول:
ما لليلى تبدلت
بعدنا ود غيرنا
أرهقتنا ملامة
بعد إيضاح عذرنا
وقال في فتاة أخرى:
ذات دل وشاحها قلق
من خمور وحجلها شرق
بزت الشمس نورها وحباها
لحظ عينيه شادن خرق
ذهب خدها يذوب حياء
وسوى ذاك كله ورق
ويقول:
ودعتني بزفرة واعتناق
ثم نادت: متى يكون التلاقي
وتصدت فأشرق الصبح منها
بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم
بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم
ليتني مت قبل يوم الفراق
ويقول:
هيج العين دواعي سقمي
وكسا جسمي ثوب الألم
أيها البين أقلني مرة
فإذا عدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطة
إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقما
ذكر من لو شاء داوى سقمي
ويقول معارضا قصيدة مسلم بن الوليد:
أديرا علي الراح لا تشربا قبلي
أتقتلني ظلما، وتجحدني قتلي؟
وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل
أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن
بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي
5
أغار على قلبي فلما أتيته
أطالبه فيه أغار على عقلي
بنفسي التي ضنت برد سلامها
ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي
إذا جئتها صدت حياء بوجهها
فيعجبني هجر ألذ من الوصل
وإن حكمت جارت علي بحكمها
ولكن ذاك الجور أشهى من العدل
كتمت الهوى جهدي، فحرده الأسى
بماء البكاء، هذا يخط، وذا يملي
وأحببت فيها العذل حبا لذكرها
فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى
إذا ما أتيت العز فاصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى
وأمرك لا أمري، وفعلك لا فعلي
وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا
فجردته، ثم اتكيت على النصل
فإن تك مقتولا على غير ريبة
فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
وقد أعجب هو نفسه بهذه القصيدة فقال في العقد: «فمن نظر في سهولة هذا الشعر، مع بديع معناه، ورقة طبعه، لم يفضل شعر مسلم عنده إلا بفضل التقدم».
ويقول:
أعطيته ما سألا
حكمته لو عدلا
وهبته روحي فما
أدري به ما فعلا؟
أسلمته في يده
عيشه أم قتلا؟
قلبي به في شغل
لا مل ذاك الشغلا
قيده الحب كما
قيد راع جملا
وقال:
لعمري لقد باعدت غير مباعدي
كما أنني قربت غير مقربي
بنفسي بدر أخمد البدر نوره
وشمس متى تبدو إلى الشمس تغرب
لو ان امرأ القيس بن حجر بدت له
لما قال: مرا بي على أم جندب