تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعمر ما شاء الله طويلا، فعاش إلى أربع وتسعين سنة، كان يقول فيها الشعر، ويظهر أنه مع حكمته كان غزلا، ولوعا بالنساء والخمر، يقول فيهما الشعر مع فكاهة لطيفة، كقوله في الهجاء:

سألت في النوم أبي آدما

فقلت والقلب به وامق

أبنك بالله أبو حازم

صلى عليك الملك الخالق

وكقوله في مقابر الأغنياء والفقراء مما فيه حكمة:

أرى أهل اليسار إذا توفوا

بنوا تلك المقابر بالصخور

أبوا إلا مباهاة وفخرا

على الفقراء حتى في القبور

فإن يكن التفاضل في دراها

فإن العدل فيها في القعور

رضيت بمن تأنق في بناء

فبالغ فيه، تصريف الدهور

ألما يبصروا ما خربته الده

ور من المدائن والقصور

لعمر أبيهم لو أبصروها

لما عرفوا الغني من الفقير

ولا عرفوا العبيد من الموالي

ولا عرفوا الإناث من الذكور

ولا من كان يلبس ثوب صوف

من البدن المباشر للحرير

إذا أكل الثرى هذا وهذا

فما فضل الكبير على الحقير؟ •••

لا ومن أعمل المطايا إليه

كل من يرتجي إليه نصيبا

ما أرى ها هنا من الناس إلا

ثعلبا يطلب الدجاج وديبا

أو شيئا بالقط ألقى بعيني

ه إلى فارة يريد الوثوبا •••

قالت: أحبك قلت: كاذبة

غري بذا من ليس ينتقد

هذا كلام لست أقبله

الشيخ ليس يحبه أحد

سيان قولك ذا وقولك إنم

الريح نعقدها فتنعقد

أو أن تقولي: النار باردة

أو أن تقولي الماء يتقد

فهذا شعر يظهر فيه أثر ما اتصف به من الحكمة. أما ما يظهر فيه أثر لهوه فقوله:

ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم

تأبطت زقي واحتسبت عنائي

فلما أتيت الحان ناديت ربها

فثاب خفيف الروح نحو ندائي

فليل هجوع العين إلا تعلة

على وجل مني ومن نظرائي

فقلت: أذقنيها، فلما أذاقها

طرحت عليه ربطتي وردائي

وقلت: أعرني بذلة أستتر بها

بذلت فيها طلاق نسائي

فوالله ما برت يميني ولا وفت

له غير أني ضامن بوفائي

فأبت إلى صحبي ولم أك آيبا

فكل يفديني وحق فدائي

ويروى أنه لما سافر إلى بغداد وجدهم يعجبون جدا بشعر أبي نواس، ولا يعجبهم غيره من أهل الأندلس، فنسب هذه القصيدة إلى أبي نواس، وأسمعهم إياها، فأعجبوا بها ثم عرفهم أنها له، وهي التي تقدمت في قوله:

ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم.

والحق أنهم خدعوا أنفسهم بالإعجاب بها، إعجابهم بشعر أبي نواس؛ لأنها أقل قيمة من شعره. وكم خدع الناس بالأسماء، ولما سافر إلى ملك الدانمرك - كما ذكرنا - استملح الملكة فأعجب بها وأعجبت به.

2

وكان اسمها: تودا. وقال في ذلك:

كلفت يا قلبي هوى متعبا

غالبت منه الضيغم الأغلبا

إني تعلقت مجوسية

تأبى لشمس الحسن أن تغربا

3

أقصى بلاد الله في حيث لا

يلقي إليه ذاهب مذهبا

يا تود يا رود الشباب التي

تطلع من أزرارها الكوكبا

يا بأبي الشخص الذي لا أرى

أحلى على قلبي ولا أعذبا

إن قلت يوما: إن عيني رأت

مشبهه لم أعد أن أكذبا

قالت: أرى فوديه قد نورا

دعابة توجب أن أدعبا

قلت لها: ما باله إنه

قد ينتج المهر كذا أشهبا

فاستضحكت عجبا بقولي لها

وإنما قلت لكي تعجبا

ويريد بالمجوسية النصرانية، وقال فيها:

بكرت تحسن لي سواد خضابي

فكأن ذاك أعادني لشبابي

ما الشيب عندي والخضاب لواصف

إلا كشمس جللت بضباب

تخفى قليلا ثم يقشعها الصبا

فيصير ما سترت به لذهاب

لا تنكري وضح المشيب، فإنما

هو زهرة الأفهام والألباب

وله:

كم جفاني ورمت أدعو عليه

فتوقفت ثم ناديت قائل

لا شفى الله لحظه من سقام

وأراني عذاره وهو سائل

ويقول في الخسوف:

شأن الخسوف البدر بعد جماله

فكأنه ماء عليه غثاء

أو مثل مرآة لخود قد قضت

نظرا بها، فعلا الجلاء غشاء

وله من قصيدة عتاب:

ولقد كسبت بكم علا لكنها

صارت بأقوال الوشاة هباء

فغدوت من بين الصحابة أجربا

كل يحاذر مني الأعداء

لو لم يكن قيد لما فتكت ظبا

أنت الذي سيرتهم أعداء ... إلخ.

أحبابنا عودوا علينا عودة

ما منكم بعد التفرق مرغب

كم ذا أداريكم بنفسي جاهدا

وكأنما أرضيكم كي تغضبوا

وأريد بعدا ما اقتربت إليكم

كالسهم أبعد ما يرى إذ يقرب

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٦١