ونحن لا نستطيع أن نترجم لكل شاعر لأنهم كثيرون، وقلما يخلو مترجم له من شعر، سواء كان أميرا، أو وزيرا، أو قاضيا، أو عينا من الأعيان. فلنكتف بذكر من شهر بالشعر، وتخصص له، وعرف به.
وربما كان من طليعة الشعراء الذين احترفوا الشعر يحيى الغزال، ولقب بالغزال لحسن شكله؛ ولذلك ضبطناه بهذا الضبط، وكانوا يلقبونه بشاعر الأندلس، وقد رأينا هذا اللقب منح لكثير من الشعراء؛ فابن شهيد شاعر الأندلس، والرمادي شاعر الأندلس، ويحيى الغزال شاعر الأندلس، وتعليل ذلك، إما أن أصحاب التراجم كانوا يفرطون في منح هذا اللقب فيطلقونه على كثيرين، ناسين في كل واحد ما قالوه في مواضع أخرى، وأما أنهم أرادوا به شاعر الأندلس في وقته. فالغزال شاعر الأندلس في وقته، وابن شهيد في وقته، وهكذا. أو أن كلمة شاعر الأندلس لا يراد بها شاعر الأندلس الأوحد، كما يتبادر إلى الذهن، ولكن تدل على أن صاحبها شاعر أندلسي كبير.
وكان يعرف الغزال إلى جانب شعره بأنه حكيم، ومعنى حكيم أنه يحسن التصرف في الأمور، وفي الكلام، وإذا فوجئ بكلام خطير، عرف كيف يرد عليه، ويخلص من المأزق، ولهذه الخصلة كان سفيرا لخلفاء الأندلس لدى بعض الدول الأجنبية، سفر لخمسة من الخلفاء الأمويين، أولهم عبد الرحمن الثاني، وآخرهم محمد بن عبد الرحمن بن الحكم. وفي ذلك يقول:
أدركت بالمضر ملوكا أربعه
وخامسا هذا الذي نحن معه
ويظهر أنه وقع عليه الاختيار ليكون سفيرا لاتصافه بجملة صفات؛ منها حسن الشكل، ومنها حضور البديهة، ومنها صواب الرأي. وأشهر سفارته كانت في أيام عبد الرحمن الأوسط وهو عبد الرحمن بن الحكم، ففي أيامه سفر لملك الروم، ويظهر أنه ملك القسطنطينية، ونراه سفر مرة أخرى عند ملك الدانمرك، ذلك أنه خرج في عهد النرمانيين، بعض أهل النرويج، في مراكب كثيرة على شكل قرصنة ، وغزوا شواطئ الأندلس، حتى وصلوا جليقية، فتصدى لهم ملك أشتوريش هو وقومه وأحرقوا لهم - كما يقول ابن عذارى في تاريخه - سبعين سفينة، فهربوا وساروا بحذاء الساحل الغربي للأندلس، وظهروا أمام إشبونة، فكتب عامل عبد الرحمن الأوسط إليه يقول له: إن أربعة وخمسين مركبا من مراكب المجوس ظهرت على الساحل. فكتب إليه عبد الرحمن بالتحفظ، ولكن أهل إشبونة لم ينتظروا، بل حاربوهم، وهزموهم، وأرغموهم على العودة بسفنهم.
وعلى العموم فقد أوقعوا الرعب في غرب الأندلس بكثرة قتلهم، ونهبهم، وسلبهم، وإحراقهم، وقد كانوا سببا في إنشاء عبد الرحمن أسطولا كبيرا ليدفع أذاهم، وأخيرا وبعد حروب طويلة، وبعد أن قتل منهم كثيرون طلبوا الصلح، فأجابهم عبد الرحمن إلى ذلك، وأرسل الغزال هذا سفيرا لهذا السبب إلى ملك الدانمرك. ويظهر أن الغزال وصحبه لاقوا عناء شديدا من البحر، فقد هاج بهم. وقد وصف الغزال هذا الهياج بقوله:
قال لي صحبي وصرنا
بين موج كالجبال
وتولتنا رياح
من دبور وشمال
شقت القلعين وانبت
ت عر ىتلك الحبال
وتمطى ملك المو
ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأي ال
عين حالا بعد حال
لم يكن للقوم فينا
يا رفيقي رأس مال
ولكنه على كل حال وصل سالما، وقد تلقاهم ملك الدانمرك لقاء حسنا، وأنزلهم منزلة كرامة، وقابلهم بعد يومين، واشترط الغزال ألا يسجد له، وأن لا يخرجه عن شيء من عاداته، فأجابه إلى ذلك. وقد حمل معه كتابا من الأمير عبد الرحمن وهدية. وتقول المصادر العربية: إنه أغرم بحب امرأة الملك وهي أغرمت بحبه، وأنه قال فيها الأبيات التي نذكرها فيما يأتي، وكان الغزال مع كهولته وسيما جميلا. «وقد سمى النرمانيين مجوسا؛ لأنهم كانوا مجوسا قبل أن يتنصروا». ويقولون: إنه لما أنشدها شعره سرت منه لما ترجم لها، وأمرته بالخضاب ففعل. ثم عاد بعد أن نجح في سفارته. ولم نعرف أحدا سفر إلى هذه الجهات إلا ما كان من يحيى الغزال.