تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانتقل كل ذلك إلى الأندلس وكان عمادهم في شعرهم، ولكن الأندلس بلاد الإسبان من قديم، وهم كانوا يقولون الشعر متأثرين باللاتينية وبالآداب اليونانية والرومانية، ولها منحى آخر غير منحى العرب، فلما امتزج العرب بالإسبان - إذ كان الأولون يتزوجون من الآخرين، وأنتج هذا الامتزاج مولدين، فيهم أثر من الدم العربي وأثر من الدم الإسباني؛ وخير مثل لذلك الوالي عبد العزيز بن موسى بن نصير، فقد تزوج أميرة من الأمراء الإسبانيين، وأيضا لما امتزج العرب بالإسبان بالسكنى والمعاملة والاشتراك في البيئة الطبيعية والاجتماعية - ظهر ذلك في الشعر، كما ظهر في المولدين، فكنت ترى شعرا أندلسيا شرقي النسيج، ولكن فيه خيوط دقيقة إسبانية، ويحتاج تحليل هذا وذاك إلى حس مرهف، ونظر دقيق، ومعلومات واسعة. وأيا ما كان، فشعراء الأندلس في نظرنا لم يفلحوا كثيرا في استقلالهم عن الشرق، وابتكارهم، وتجديدهم، كما لم يفلح في ذلك اللغويون، والنحويون والصرفيون.

ولذلك لو أغمضنا أعيننا وجهلنا قائل القصيدة أهو شرقي أم أندلسي، لم نكد نحكم حكما صحيحا جازما على الشاعر أغربي هو أم شرقي؛ ولذلك كثيرا ما تنسب بعض الأبيات إلى أندلسي، وينسبها بعينها بعضهم إلى مشرقي، لعدم التميز الواضح، حتى عند الخبراء. وربما كان مصداق ذلك ما حكي أن الشاعر الأندلسي الملقب بالغزال، وجد في بغداد في جماعة من المثقفين، فأنشدهم شعرا لنفسه، وادعى أنه لأبي نواس لعظم قدر أبي نواس عندهم، فصدقوه، ثم قال لهم: إنها لي، ولو كانت شخصية الأندلس واضحة في شعر أهلها، لصعب نسبة أبيات أندلسية إلى شاعر شرقي؛ غاية ما عندهم من فروق: (1)

أن الطبيعة الأندلسية الجميلة مكنتهم من أن يقولوا كثيرا في شعر الطبيعة. وهذا لم يكن معدوما في المشرق، فإن الصنوبري مثلا وهو الشاعر الحلبي خلف لنا ديوانا كله تقريبا في ذلك. (2)

أن لهم أحيانا أخيلة ذهنية ولعبا بالمعاني يكاد يكون خاصا بهم، وقد يفوقون فيها المشارقة. وهذا ما أولعوا به كل الولع، حتى إنه لما وقفوا على شعر المتنبي لم يقلدوه في قوة معانيه، وبديع حكمه، وقوة شاعريته، وثورة نفسه، إنما أخذوا منه أسلوبه، وفخامة تعبيراته، وعمق خيالاته، كما فعل ابن هانئ الأندلسي. فنحن نأسف إذ نرى الأندلسيين اقتصروا على أوزان الشرق، وموضوعات الشعر في الشرق، واتخذوا أخيلة الشرق أساسا، ومعانيه دعامة، فالمديح هو المديح، والغزل هو الغزل، وشعر الزهد هو شعر الزهد. وكان الأمل أن يبتكروا غير هذا؛ خصوصا وأن بيئتهم أغنى، واتصالهم بالعالم الأوربي غير اتصال المشارقة بالعالم الفارسي أو الهندي أو التركي. فما بالهم اتخذوا نفس القوالب، وصبوا فيها عصارة ذهنهم، وبديع خيالاتهم. وعندنا أنهم لو تحرروا من ذلك؛ لأتوا بالعجب في القصة، في القصائد غير الموحدة الأبيات، في ترتيب الأبيات ترتيبا منطقيا حسب المعاني، في الاعتماد على وحي النفس أكثر من الاعتماد على العادات المألوفة، والتقاليد الموروثة، حتى لنرى مادح الناصر كمادح الرشيد، وتشبيب ابن عبد ربه، كتشبيب أبي نواس، وحتى نرى في الشرق والغرب شاعرا يعرف أن ممدوحه ظالم للرعية، نهاب لأموالها، سفاك لدمائها، ثم يمدحه بالعدل والجود وأصالة الرأي نظير نفحة من المال ينفحه بها. والأمثلة على ذلك كثيرة هنا وهناك. (3)

انفراد الأندلسيين في ابتكار الموشحات والأزجال، خضوعا لحكم الظروف، وسيأتي توضيح ذلك عند الكلام في الموشحات، وأيضا استكثارهم من المقطعات التي تصف أشياء كثيرة كوصف العاصفة، وبركة فيها سلاحف، وباذنجان، وجمال الخال، وفرس أصفر، ورداء أحمر، ووصف الليل، وغلام خياط، ووصف معركة، وملابس حداد، وقوس، ونهر، ومشهد حب، ومجلس شراب ... إلخ؛ مما يطول ذكره.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٥٩