وابن مضاء هذا رجل عظيم النسب، عظيم المنصب، فقد كان قاضي القضاة في عهد الموحدين، وكان عظيم الجاه عندهم، فهو وحده الذي ثار على نحو المشرق كما ثار كثير غيره على فقه المشرق.
ويطول بنا القول لو ترجمنا لنحويي الأندلس واحدا فواحدا، وأنت إذا قرأت كتاب «بغية الوعاة في أخبار النحاة» وجدت في كل صفحة تقريبا واحدا فأكثر من نحاة الأندلس: فلنكتف بما ذكرنا.
| هوامش
الفصل الرابع
| الحركة الأدبية
الشعر والنثر
نريد بالحركة الأدبية مظاهر الأدب الإنشائي
1
من شعر ونثر، وقصص ونحو ذلك. ونلاحظ في الحركة الأدبية ما يأتي: (1)
أن الثقافة الأدبية في الأندلس كانت تكاد تكون عامة بين المثقفين، فلا نكاد نقرأ ترجمة لفقيه، أو أمير، أو متصوف، إلا نجد له شعرا، البيتين أو المقطوعتين أو أكثر. (2)
ما وضع العرب أرجلهم في الأندلس حتى صبغوها بالصبغة العربية، ونقلوا معيشتها إلى معيشة عربية في عاداتها وتقاليدها، ومن ذلك أدبها. فالعربي حيثما حل ذكر أوطانه، وحن إليها. وكانت السنون الأولى بعد الفتح سني دهشة وتخمر، فالبلاد غريبة عن العرب، والمناظر مختلفة عن مناظر الصحراء، وعادات البلاد وتقاليدها تختلف عن عادات الصحراء وتقاليدها، فهم يحتاجون إلى زمن يتأقلمون فيه لمواجهة هذه الحالة الجديدة؛ ولذلك نراهم لم يقولوا الشعر كثيرا كما كانوا يقولونه في جزيرة العرب، أو في الشام، شأنهم في ذلك شأن العرب الفاتحين لمصر، فقد رأى الفاتحون من العرب النيل، وهو يفوق ألف مرة غدرانهم، والأهرام التي تفضل ألف مرة خيامهم ومساكنهم، وشاهدوا الوديان الخضراء، والمراعي الخصبة، والمياه المتدفقة. وكل ذلك كان حريا أن ينتج أدبا غزيرا، وشعرا كثيرا، ولكنهم لم يفعلوا، وقلما نجد شعرا روي عنهم في العصر الأول للفتح، بل إن الشعر الذي روي كان يأتي على ألسنة الوفود الذين يأتون مصر من الخارج لعبد العزيز بن مروان وأمثاله، وهو أمر غريب حقا في الأندلس ومصر، حتى ظننت أن العربي أول أمره لا يشعر إلا في بيئته.
على كل حال نجد في العصور الأولى في الأندلس قبل عبد الرحمن الداخل شعرا قليلا، وأدبا شحيحا، تقتضيه المناسبات، أو المسامرات، أو تحرك العواطف تحركا وقتيا لسبب من الأسباب.
مثل ذلك ما روي عن طارق بن زياد فاتح الأندلس أنه قال:
ركبنا سفينا بالمجاز معبرا
عسى أن يكون الله منا قد اشترى
نفوسا وأموالا وأهلا بجنة
إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا
ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا
إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا
ومثل ما روي عن عبد الرحمن الداخل، وقد رأى نخلة وحيدة منفردة، فقال:
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت: شبيهي في التغرب والنوى
وطول التنائي عن بني وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة
فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي
يسح ويستمري السماكين بالوجل
وقول الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل:
رأيت صدوع الأرض بالسيف راقعا
وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة
أبادرها مستنضي السيف دارعا
تنبئك أني لم أكن في قراعهم
بوان، وقدما كنت بالسيف قارعا
وأني إذ حادوا جزاعا من الردى
فلم أك ذا حيد من الموت جازعا
حميت ذماري فانتهبت ذمارهم
ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا
ولما تساقينا سجال حروبنا
سقيتهم سما من الموت ناقعا
وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم
فوافوا منايا قدرت ومصارعا
فهاك بلادي إنني قد تركتها
مهادا ولم أترك عليها منازعا
ومثل قول الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم:
ويلي على شادن كحيل
في مثله يخلع العذار
كأنما وجنتاه ورد
خالطه النور والبهار
قضيب بان إذا تثنى
يدير طرفا به احورار
فصفو ودي عليه وقف
ما اطرد الليل والنهار
ومثل قول زرياب:
علقتها ريحانة
هيفاء عاطرة نضيره