وكان من بعده من أبنائه متعلمين تعلما واسعا، وحسب هذه الدولة فخرا أنها أنجبت ابن طفيل، وابن زهر، وابن رشد، إذ أفسحت صدرها للفلسفة. يقول ابن خلكان في أحد ملوك الموحدين: «إنه أمر برفض فروع الفقه، كما أمر الفقهاء بألا يفتوا إلا بالكتاب والسنة، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم»، وأمر بإحراق كتب المذاهب، والآراء تعدى، فلما شرع الاجتهاد في الفقه، ظهر مجتهد يريد هدم كتاب سيبويه، كما اجتهد قوم في هدم المذاهب الأربعة، ووضع مذهب جديد في النحو. فالفلسفة تحرر العقول، والأخذ بالكتاب والسنة يعطل المذاهب، وابن مضاء يريد أن يهدم مذهب سيبويه، وألف في ذلك ثلاثة كتب: المشرق في النحو، وتنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان، والرد على النحاة. وفي هذه الكتب الثلاثة على ما يظهر رد على نحو سيبيويه وأنصاره، والنظر إلى نحو جديد.
لقد كان نحو سيبويه مبنيا على نظرية العامل، فلا يرفع فاعل إلا بعامل، ولا تنصب كلمة إلا بعامل، ولا تجر إلا بعامل، فإن لم يكن العامل ظاهرا، فهو عامل مؤول، فنادى ابن مضاء بأن الذي يصنع الظواهر النحوية في الكلمات من رفع ونصب وجر، إنما هو المتكلم نفسه، لا ما يزعمه النحاة من الأفعال وما شاكلها، وقد أشار ابن جني في الخصائص إلى هذه النظرية، ولكن ابن مضاء وسعها وأوضحها. وقد جرت النحويين نظرية العامل وتأويله إن كان محذوفا إلى علل وأقيسة، وأحيانا تكون مقبولة، وأحيانا تكون غير مقبولة. وكان يريد ابن مضاء إنشاء نحو جديد على أساس جديد، ولكن يكفيه فخرا أنه هدم وإن لم يبن، فكان النحو محتاجا إلى يد جديدة، تبني بناء جديدا بعد هدم القديم. وفي كتابه الذي نشر حديثا ما يشير إلى أحجار قيمة توضع في البناء الجديد، ولكن مع الأسف كانت دعوته إلى نحو جديد، كدعوة أبي نواس في الشرق إلى شعر جديد، فكلتاهما كتبت ولم تتحقق.
على كل حال كان ابن مضاء داعيا دعوة جديدة، متأثرا فيها بالدعوة إلى اجتهاد الفقهاء، كما أنه متأثر بمذهب الظاهرية، فنظريات العوامل تحتاج إلى تأويل كبير، والظاهرين أكثر ما يكرهون التأويل، وقد أسس كتابه هذا «الرد على النحاة»
7
بعد قراءة طويلة في النحو، فقد قرأ كتاب سيبويه، وشرح السيرافي عليه ... وهو يرى أن الناس ضلوا بالنحو القديم، باتباعهم نظرية العامل فيقول: «قصدي من هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمع على الخطأ فيه، فمن ذلك دعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا تكون إلا بعامل لفظي ... فقالوا في ضرب زيد عمرا: إن الرفع الذي في زيد، والنصب الذي في عمرو، إنما أحدثه ضرب، وذلك بين الفساد. وقد صرح بخلاف ذلك ابن جني وغيره ... وفي الحقيقة ومحصول الحديث أن العمل من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره». وقال: «ربما ظن شخص أن معاني هذه العوامل هي العاملة، ويرد ذلك بأن العامل أو الفاعل إما أن يفعل بإرادة كالإنسان والحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار، ويبرد الماء، والعامل في النحو ليس فاعلا بالإرادة ولا بالطبع. وإذا فتصور النحاة له بأنه عامل أو فاعل تصور واهم».
ويبين سخف النحويين في تأويل عامل إذا لم يوجد، فيقول: «إن النحويين يقولون في يا عبد الله: أدعو عبد الله، مع أن المعنيين مختلفان، فأدعو عبد الله جملة خبرية، ويا عبد الله جملة إنشائية، ويقولون في:
إذا السماء انشقت (الانشقاق: 1)، إذا انشقت السماء انشقت، وهو كلام واهم». ويقول في موضع آخر: «إن إجماع النحاة على ذلك ليس حجة علينا، مهما اتفق البصريون والكوفيون على ذلك». ويهاجم فكرة الضمائر المستترة، فإن النحاة يقولون في مثل زيد ضارب عمرا: إن في ضارب ضميرا مستترا تقديره هو فاعل. ويقول: إن ضارب تدل على الصفة وصاحبها، فلا داعي للتأويل. كما هاجم العلل النحوية غير العلة الأولى، فإذا قلت: إن الفاعل مرفوع فهذه هي العلة الأولى وقد أقرها، أما أنه مرفوع؛ لأنه عمدة فقد رفضه ابن مضاء. ومن الأسف أن الناس لم يأخذوا بقوله، وعادوا سريعا إلى نحو سيبويه.