تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبحت في دار الأسى والحتوف

وليس لي صبر على منزل

بوابه السيد وجدي خروف

ومن شعره اللطيف في صبي مليح:

أقاضي المسلمين حكمت حكما

أتى وجه الزمان به عبوسا

حبست على الدراهم

5

ذا جمال

ولم تحبسه إذ سلب النفوسا

ولما رأى نيل مصر قال فيه:

ما أعجب النيل، وما أحلى شمائله

في ضفتيه من الأشجار أدواح

من جنة الخلد فياض على ترع

تهب فيها هبوب الريح أرواح

6

ليست زيادته ماء كما زعموا

وإنما هي أرزاق وأرواح

ومات سنة 609ه.

وأما ابن عصفور فإشبيلي الأصل أيضا، حمل لواء العربية بالأندلس بعد أستاذه أبي علي الشلوبيني، ودرس العربية في بلاد أندلسية مختلفة، في إشبيلية وشريش ومالقة ولورقة ومرسية، وألف كتبا كثيرة في النحو والصرف، وقد أخذ عليه ابنه أنه كان مستهترا يغشى مجالس الشراب ويتهتك فيها، ومات سنة 669ه.

وجاء بعد ذلك ابن مالك وهو جمال الدين محمد بن عبد الله، ولد ببلدة جيان إحدى مدن الأندلس حوالي سنة 600ه، وأخذ عن نحوييها، وأخذ عن أبي علي الشلوبيني، ثم رحل إلى مصر ودمشق، وأخذ العلوم الشرعية وتبحر فيها، وقد اشتهر شهرة سيبويه. وأهم ميزة ابن مالك أنه ربط قواعد النحو ربطا محكما، وبسطها كما يتجلى ذلك بالنظر في ألفيته وقواعده، والقواعد التي ذكرها سيبويه في كتابه، وقد ألف الألفية. ونالت حظوة كبيرة، حتى حفظها أكثر المتعلمين في الشرق والغرب إلى اليوم، ومن مؤلفاته: الكافية والشافية، والتسهيل، ولامية الأفعال، والمفتاح في أبنية الأفعال، وتحفة الموجود في المقصور والممدود، والأعلام في مثلث الكلام، وإيجاز التعريف بعلم التصريف، ورسالة في المترادفات، والاعتداد في الفرق بين الزاي والصاد، ومنظومة في 49 بيتا في الأفعال الثلاثية المعتلة بالواو أو الياء، نقلها السيوطي في كتابه «المزهر». وقد تتلمذ له كثيرون في الشرق والمغرب، كابن النحاس المصري، والفقيه المشهور النووي، والمحدث المشهور اليونيني، وغيرهم. وقد رزق الحظوة في تآليفه، واستفاد منه كثيرون، ودوى اسمه في الأندلس وفي المشرق، ومات سنة 672ه.

فإن قلنا: إنه نظم نحو سيبويه، ووضحه، وفصله، وقربه إلى الناس، وعممه لم نكن بعيدين عن الصواب، وكان إماما في القراءات وعالما بها، واسع العلم باللغة. قال الصفدي: «أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يوما ما انفرد به صاحب المحكم عن الأزهري في اللغة، وهذا أمر معجز؛ لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين»، وكان في النحو والتصريف لا يشق لجه، وكان واسع الاطلاع على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة، حاضر البديهة في الاستشهاد، وكان مذهبه أن يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد، استشهد بالحديث، فإن لم يكن استشهد بأشعار العرب. وكان نظم الشعر عليه سهلا، رجزه وطويله، وأكثر من التآليف في أبواب مختلفة، وكان مشهورا بنظم الضوابط التي تسهل الأمور الصعبة على المتعلمين، فينظم مثلا في المقصور والممدود، وفيما ورد بالضاد والظاء، وفي ترتيب خيل السباق، ونحو ذلك. وكان - رحمه الله - كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئا من محفوظه، حتى يراجعه في محله، وقد أخذ عليه أبو حيان «أنه لم يلازم المشايخ، ولم يصحبهم طويلا، وإنما أخذ أكثر علمه من الكتب والاطلاع عليها؛ ولذلك كان ينفر من المنازعة والمباحثة والمراجعة. وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه»، مع أنه قرأ على جملة من المشايخ كأبي علي الشلوبيني، وثابت بن خيار.

وربما عد من أكبر علماء النحو في الأندلس أبو حيان الغرناطي، وهو لغوي عربي، ولد من أصل بربري سنة 654ه، وتنقل في البلاد بعد أن تعلم على علماء الأندلس، وكان ظاهريا على مذهب ابن حزم، وكان نحويا مفسرا محدثا شاعرا.

وبلغت مصنفاته في العلوم المختلفة نحو 65 كتابا لم يصلنا منها إلا نحو عشرة، وأهميته أنه كان لغويا بمعنى أنه يعرف لغات كثيرة، فألف كتابا في الفارسية، وآخر في اللغة التركية، والمصنفان موجودان إلى اليوم، وهما عظيما القيمة، كما ألف كتابا في اللغة الحبشية، وتوفي بالقاهرة سنة 745ه، ولكن كما قلنا من قبل: إن هؤلاء النحويين جميعهم كانوا يدورون في فلك سيبويه، فإن اجتهد أحد كابن مالك وأبي حيان، فكالذي نسميه في الفقه اجتهاد مذهب لا اجتهادا مطلقا. فقد وضع الخليل وتلميذه سيبويه بناء في النحو قوي الدعائم لم يسهل هزه ولا نقضه، إنما الذي خرج واجتهد اجتهادا مطلقا هو ابن مضاء الأندلسي القرطبي، وقد كان أيام الموحدين، فقد كان الموحدون هؤلاء مجتهدين، لم يرضوا عن مذاهب الفقه المختلفة. وقد كان عبد المؤمن بن علي الذي يعد المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين «مؤثرا لأهل العلم، محبا لهم، محسنا إليهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده، والجوار بحضرته، ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام»، ويقول فيه بعضهم: «إنه كان فقيها عالما بالأصول والجدل والحديث، مشاركا في كثير من العلوم الدينية والدنيوية».

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٥٥