والحق أنه كان شرحا وافيا؛ إذ كان مؤلفه جماعا للفوائد، واسع الاطلاع، وما شرح مقامات الحريري أحد بعده إلا استفاد منه، حتى دوزي في شرحه اعتمد عليه، وقد عرف هذا الكتاب بالدقة في الشرح وامتلائه بالفوائد، واتخاذ المقامات تكأة لرواية الأخبار.
وممن ألف أيضا في اللغة والأدب ابن السيد البطليوسي مؤلف كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب» لابن قتيبة، كما ألف شروحا على كتب أدبية مختلفة، ومثل البكري الذي ألف كتاب «التنبيه على أغلاط الرواة» وغيرهم. على كل حال نقل هؤلاء وأمثالهم الأدب القديم من دواوين وغير دواوين، وشرحوها وقدموها لأمتهم، حتى لم يكد يبقى شيء لم يطلعوا عليه.
كما كان من أهم مؤلفي اللغة من الأندلسيين ابن سيده، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل، وكان ضريرا، وكان أبوه على علم باللغة فأخذ عنه، وقد ألف مؤلفات كثيرة لم يبق منها فيما نعلم إلا كتاب «المخصص»
3
في سبعة عشر جزءا، ألفه على حسب المعاني، لا على حسب الألفاظ، فالألفاظ التي تتعلق بالمائدة وما يتصل بها وضعت في مكان واحد، وهي فكرة سبقه إليها الثعالبي في فقه اللغة، ولكن ابن سيده وسعها وجعلها في سبعة عشر جزءا بدل جزء واحد للثعالبي. والظاهر أنه رتب «المخصص» حسب الإنسان وأعضائه وأجزائه، ثم ما يتصل به، الأقرب فالأقرب، ثم كتاب «المحكم والمحيط الأعظم» وهو معجم كبير في اللغة، رتبت فيه الكلمات حسب حروف الحلق، كما فعل الخليل في «العين»، وابن دريد في «الجمهرة»، وقد مات سنة 458ه.
وممن اشتهر في اللغة أيضا الأعلم الشنتمري، وكانت له ميزة أخرى غير جمع اللغة، وهي حفظه لأشعار العرب، وعنايته بضبطها، وقد استفاد منه كثيرون من أهل الأندلس، وكانوا يرحلون إليه، وسمي الأعلم؛ لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري نسبة إلى شنتمارية مدينة في غربي الأندلس، وقد شرح دواوين كثيرة، ويكاد يكون اختصاصه في ذلك، وتوفي سنة 476ه.
وممن اشتهر من الأندلسيين أبو الحجاج بن يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي، ألف كتابا في جزأين كبيرين وضعه لابنه وسماه «ألف باء»، وهو موسوعة كبيرة، تكلم فيها في الحساب والطبيعة والنبات والحيوان والإنسان وعلم الاجتماع والشريعة والأديان وفقه اللغة ومخارج الحروف والنحو والصرف والشعر والحكايات والأساطير، حتى لو رتب على حسب حروف الهجاء لكان دائرة معارف عجيبة. وقد رحل إلى الشرق ووصف فيه أشياء كثيرة كمنارة الإسكندرية وصفا دقيقا. وعاش من سنة 526ه إلى سنة 603ه.
أما النحو فقد بدأ في الأندلس، كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فيها لفظ غريب يشرح، ومشكلة نحوية توضح، على النحو الذي نراه في «أمالي» القالي، و«الكامل» للمبرد، ثم ألفوا نحوا في مسائل جزئية، كما فعل أبو علي القالي نفسه في «فعلت وأفعلت» و«المقصور والممدود»، وكما فعل ابن القوطية في كتابه «الأفعال»، فلما انتقل إلى الأندلس كتاب الكسائي وسيبويه، ألف الأندلسيون في النحو من حيث هو كل يشمل جميع الأبواب، وكان أشهر كتب النحو في أيام ابن حزم تفسير الحوفي لكتاب الكسائي.
وكان من الأندلسيين أبو علي الشلوبيني،
4
وكان إماما في النحو، يجله تلاميذه ويغالون في فضله، ألف كتبا في النحو مثل: كتاب «التوطئة»، ولد بإشبيلية سنة 562ه، وتوفي سنة 645ه.
ونبغ في النحو بعد الشلوبيني نحويان شهيران هما ابن خروف وابن عصفور، ولهما في كتب النحو آراء ينفردان بها، فأما ابن خروف فمن إشبيلية، وكان إمام أهل زمانه في العربية في الأندلس، له شرح على كتاب سيبويه وشرح لكتاب الجمل وغير ذلك من الكتب، وكان إلى علمه أديبا لطيفا كثيرا ما تلاعب باسمه، فكتب مرة لقاضي القضاة يستعفيه من الإشراف على عمل؛ لأن بوابه اسمه السيد وهو الذئب فقال:
مولاي، مولاي أجرني فقد