ومن مزايا العقد أن مؤلفه ابن عبد ربه قوي في النثر والشعر، تظهر قوة نثره في الفرش الذي يفرشه أمام كل باب، فهو فرش لطيف بليغ، وتظهر قدرته الشعرية في معارضته لما يختار أحيانا بشعر لطيف له. وقد روي عنه أنه كان يعيش أول أمره عيشة الأديب المستهتر، مر مرة على قصر فيه غناء فطارت نفسه وهام بالغناء وقال في ذلك قولا لطيفا؛ ومن أجل ذلك يبرر في الكتاب سماع الغناء ويرد على من حرمه، كما يظهر أنه كان يشرب الخمر وخصوصا النبيذ؛ ولذلك يميل من طرف خفي في كتابه إلى تأييد الرأي القائل بالحل. ويقولون: إنه في آخر أيامه تاب، وشعر في الزهد والورع والتقوى، على نحو ما شعر في اللهو والغزل.
والكتاب يفيدنا تاريخيا أيضا، كما يفيدنا أدبيا في تعريفنا بأشياء كثيرة عن عادات الأندلس وتقاليدها، ونظرة الأندلسيين إلى اليهود والنصارى، كما يدلنا على حروب الناصر واحدة بعد أخرى في أي سنة، ونحو ذلك.
وإذا قارنا بين ما كتبه ابن قتيبة في الشعوبية، وما كتبه ابن عبد ربه، رأينا ابن عبد ربه أعدل رأيا، وأصدق حكما، ومن ظرفه أنه أكثر في كتابه هذا من الفكاهات والملح، والنوادر والقصص، فيروي للأشعب وللممرورين. وفي الأجوبة المسكتة أشياء لطيفة ظريفة مسلية، فهو أقرب إلى الجد من ألف ليلة، ولكنه مسل مثلها؛ ولذلك ذاع بين الأدباء. وقد قلنا: إنه لم يكن متزمتا كالمحدثين، وبعض الأدباء كصاحب الأغاني فلم يملأ كتابه بالأسانيد كما فعل هؤلاء؛ ولذلك انتشر كتابه انتشارا كبيرا في الشرق والغرب، فهو يتنقل من شعر إلى نثر إلى قصة إلى فكاهة إلى مثل، حتى لا يمل قارئه بحال. ويظهر أنه قد دس عليه بعد وفاته أشياء لم يقلها، وإنما رأى القارئ أشياء حدثت بعد وفاته، فأراد أن يكمل بها الكتاب.
على كل حال انتفع الناس بهذا الكتاب أكثر مما انتفعوا بغيره لخفة روحه، وسهولة مأخذه، وكثرة تنقلاته من باب إلى باب. فكما انتفع الناس بالأمالي، ومؤلفه شرقي رحل إلى الأندلس، انتفعوا بالعقد، ومؤلفه أندلس رحل إلى المشرق.
وقد قلنا من قبل: أن ليس أبو علي أول من بذر البذرة، فقد بذرها العرب والبرابرة فاتحو الأندلس، وإنما أبو علي نماها، ونظم تعليمها، وربما كانت هناك كتب من المشرق تتسرب إلى المغرب، فيأخذ منها الأندلسيون أدبهم، والدليل على ذلك ابن القوطية أبو بكر محمد بن عمر، وسمي ابن القوطية نسبة إلى القوط، وهم الذين غزو الإسبان من قبل؛ لأن أحد أجداده تزوج من أميرة إسبانية بنت ملك من ملوك القوط، كانت ذهبت إلى دمشق، ووفدت على هشام بن عبد الملك متظلمه من عمها، فتزوجت عناك من عربي كان جدا لابن القوطية، وأرسل مع الحملة التي ذهبت لفتح الأندلس.
وكان ابن القوطية هذا عالما كبيرا من علماء العربية، وصحب أبا علي القالي، وقدمه أبو علي إلى الحكم الثاني الخليفة قائلا: إنه علم أهل بلاده. وكان ابن القوطية لغويا كبيرا، ونحويا كبيرا، وشاعرا، ومؤرخا، يفد عليه الناس للاستفادة منه. مات سنة 367ه بعد أن ألف كتاب «الأفعال»، وكتاب «فعلت وأفعلت»،
1
فهذا يدل على أن العلم باللغة والمحو أقدم من القالي، وبالفعل قد روي أن ابن القوطية أخذ العلم باللغة والنحو على رجل يسمى الزبيدي، وآخر يسمي سعيد بن جبير، وهما لا شك معلمان بالأندلس قبل القالي.
وكان ممن تتلمذ لأبي علي القالي أبو بكر الزبيدي، وهو نحوي مشهور، ألف كتاب «مختصر العين»، وألف «أخبار النحويين»،
2
ورتب نحويي الأندلس على طبقات.
على كل حال كان المؤلفون في اللغة والأدب كثيرين، ونعني بالأدب هنا الأدب التأليفي، أما الأدب الإنشائي فسنتكلم عليه في الباب الآتي إن شاء الله.
فمن أشهر من ألف في الأدب من الأندلسيين «الشريشي» الذي شرح مقامات الحريري شرحا لطيفا. وقد انتقلت المقامات من الشرق إلى الأندلس، فأقبل الأندلسيون عليها، وافتتنوا بها، وأثرت فيهم أثرا كبيرا، فمنهم من قلدها ووضع مقامات على نمطها، كالأزدي المتوفى سنة 575ه.