تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان ابن عبد ربه متعدد النواحي، تعلم النحو والعروض والفقه والتاريخ والأدب، وكان قد تعلم في أهل بلده، وكان قد نضج العلم فيه بعض الشيء، ثم رحل إلى مصر وغيرها وأخذ علمها، ثم وضع برنامجا أن ينقل ما علم إلى أهل بلده.

وقد اقتبس ابن عبد ربه كثيرا من أسلاف له، وإن كان قد قصر في نسبة كل قول إلى قائله، شأن كثير من علماء المشرق، حتى لقد ينقل الأصل من أصوله عن مصدر، فيظن القارئ أنه أخذه منه مباشرة، مع أنه يكون قد نقله عمن نقل عن الأصل من غير نسبة إلى من نقل عنه. فمثلا ينقل قطعة على أنها من كليلة ودمنة مباشرة، مع أنه قد يكون نقلها بالواسطة عن ابن قتيبة عن كليلة ودمنة، وكذلك شأنه فيما ينقل عن التوراة والإنجيل ونحو ذلك.

وقد تخيل كتابه عقدا منظوما يحتوي على خمس وعشرين حبة من جهة، وخمس وعشرين حبة من جهة أخرى، وفي وسطها كلها واسطة العقد، وسمى كل باب من الأبواب التي في ناحية باسم حجر كريم، كأن يقول: اللؤلؤة في السلطان، الزبرجدة في الأجواد، الياقوتة في العلم والأدب، ثم يسمي الباب الذي يقابلها بنفس التسمية مع إضافة كلمة «الثانية» فيقول: اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح، الزبرجدة الثانية في طبائع الإنسان، الياقوتة الثانية في الألحان، وهكذا.

وجعل واسطة العقد في الخطب، وبالضرورة لم يكن هناك واسطة عقد إلا واحدة، والكتاب كان يسمى عند الأقدمين «العقد» فقط، ويظهر أنه لما ألف أديب كتابا سماه «العقد الفريد في الملك السعيد» سرت إلى الناس كلمة الفريد، فضموها إلى عقد ابن عبد ربه؛ ولذلك نرى اسمه عند قدماء المؤلفين كابن حزم وأمثاله «العقد» فقط.

وكان من أشهر من استقى منه «العقد» كتاب ابن قتيبة «عيون الأخبار»، فهو ينقل عنه كثيرا، ويقلده في ترتيب الأبواب، كما اقتبس من كتاب الجاحظ، كاقتباسه منه «باب العتاب، واستنجاز الوعد، والاعتذار، والموالي والعرب»، واقتبس من المبرد في كتابيه «الكامل والروضة»، ومع اقتباسه منهما واستفادته طعن المبرد في الصميم إذ قال عنه: إنه لم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانئ «أبي نواس»، فأبو نواس قلما يأتي ببيت ضعيف، لدقة فطنته، وعذوبة ألفاظه، فيأتي المبرد فيروي له أبياتا، لا ندري من أين وقع عليها، كما اقتبس ابن عبد ربه من ابن المقفع في كتابيه «كليلة ودمنة» و«الدرة اليتيمة»، وأخذ شيئا من كتاب سيبويه، ومن طبقات ابن سلام، ومن بعض كتب أبي عبيدة، ومن ابن هشام في السيرة، ومن ابن وحشية في النبات إلى غير ذلك، حتى لقد يأخذ من التوراة والإنجيل، ومن دواوين الشعراء.

وربما كان يعتقد أن رواية الأدب ليس ينبغي أن يتزمت فيها، كرواية الحديث، فنراه يروي أشياء لم تثبت تاريخيا، ولم ينقلها الثقات، كوفود العرب على كسرى ونحو ذلك ، وأحيانا يعارض ما يختاره بشعره هو على أنه خير مما روى. وقد كان مقربا إلى عبد الرحمن الناصر، فنظم فيه ملحمة طويلة لطيفة على قلة الملاحم في الأدب العربي، تبلغ أكثر من أربعمائة بيت، وإذ كانت الملحمة في سيرة عبد الرحمن الناصر، وهو بالضرورة أموي، فقد سار فيها على مذهب الأمويين، فعد الخلفاء الراشدين مثلا أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وحذف عليا من أرجوزته، ثم وصل الخلفاء الأمويين في الشرق بالأمراء الأمويين في الأندلس؛ ولذلك عابه بعض العلماء، إذ كتب مثلا منذر بن سعيد البلوطي الإمام المشهور على هامش الأرجوزة، البيتين الآتيين:

أوما علي - لا برحت ملعنا

يا ابن الخبيثة - عندكم بإمام؟

رب الكساء وخير آل محمد

داني الولاء مقدم الإسلام

ومن عدم تدقيقه في الأخبار روايته شيئا من الأوهام، فيقول عن رجل مثلا: إنه عاش ثلاثمائة سنة أو مائة وتسعين سنة، وبعد أن عاش هذه المدة اسود شعره، وقد نبتت له أضراس إلى غير ذلك. كما أن كثيرا مما رواه عن الحيوان لم يصح علميا.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٥٢