تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطابع الفرس حب الفخفخة والظهور، قد ورثوا مدينة قديمة مملوءة بالتقاليد والأوضاع، فطبعوا عليها بمحاسنها ومساويها؛ فلهم قدرة على تنظيم الحكم، ومعرفة واسعة بما يزيد الثروة ويضعفها، ولهم عقول مثقفة تتذوق الأدب والعلم وتهتز لهما، فهم يشجعون العلم لا بالمعنى الضيق الذي يشجعه التركي، ولكن بمعناه الواسع الذي يشمل الفلسفة بفروعها المختلفة، قد كثرت المذاهب الدينية القديمة عندهم من مانوية وزرادشتية ومزدكية، فكثرت في الإسلام مذاهبهم من زيدية واثني عشرية وسبعية وغير ذلك، وورثوا ما يرثه أبناء كل أمة تحضرت وهرمت من ميل إلى الترف والنعيم، وانهماك في اللذائذ، وأورثهم ضغط الدولة الأموية عليهم وتحقيرهم ميلا كامنا إلى الانتقام من العرب والأخذ بالثأر منهم في لين وهوادة، وعلمهم التشيع التقية، فمكروا وعملوا في الخفاء وتستروا، وأسسوا المؤامرات للقضاء على خصومهم بالثورات أحيانا، وبالدعوة المقنعة بالعلم أحيانا، إلى غير ذلك.

وطابع العرب ميل إلى البداوة، وحكم بالقبلية، واعتزاز بدمهم، واحتقار لغير جنسهم، وزهوهم بسيفهم ولسانهم، وقلقهم واضطرابهم، فإذا أحسوا ضعف رئيسهم فما أسرع ثورتهم! ثم هم أسرع ما يكون قبولا للتأقلم والتحضر، فإذا تحضروا انغمسوا في النعيم، ومالوا إلى خصب العيش، وتأنقوا في المأكل والملبس والمشرب ، كما كان شأن الفاطميين بعد انتقالهم من المغرب إلى مصر، وكما كان شأن من نزل من العرب في الأندلس، وكما كان شأن العرب الفاتحين لبلاد فارس والروم، وهم في أول أمرهم شجعان صرحاء بسطاء، فإذا انغمسوا في النعيم، وقعوا في سيئات الحضارة، ففقدوا صراحتهم وبساطتهم، أحب إليهم الأدب والشعر لا الفلسفة والعلم، إلا أن يستعينوا بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم.

وكثيرا ما كان يتعاقب على القطر الواحد هذه الأجناس الثلاثة أو جنسان منها، فتعاقب على العراق العرب والفرس والترك، وعلى مصر العرب والترك، وإذ ذاك يسقيه كل جنس بكأسه، ويتكون لكل قطر مزاج هو نتيجة طبع الأمة مع من تعاقب عليها من الأجناس.

وهناك عنصران آخران كان لهما أثر في الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وإن كان هذا الأثر في المنزلة الثانية، وأعني بهما الروم والزنج.

الروم

كان العرب يطلقون على المملكة البيزنطية «بلاد الروم»، ومن ثم أطلقوا على البحر الأبيض المتوسط «بحر الروم»، وعلى مر الزمان كان أكثر ما يطلق اسم الروم على بلاد النصارى المتاخمين للمملكة الإسلامية؛ ولهذا كان أكثر ما يطلق على بلاد النصارى في آسيا الصغرى، وكانت تسمى الحدود التي بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية «الثغور» ممتدة من ملطية إلى أعلى الفرات وإلى طرسوس، وكانت هذه الثغور محصنة من الجانبين، ومنقسمة إلى قسمين: ثغور الجزيرة، وثغور الشام، فمن الأول ملطية، وزبطرة، وحصن منصور، والحدث، ومرعش، والهارونية، والكنيسة، وعين زربة، ومن الثاني: المصيصة، وأذنة، وطرسوس.

ومنذ فتح الشام ومصر في عهد عمر بن الخطاب، والحروب قائمة بين المسلمين والروم، والذي نريد أن نعرض له الآن ما كان بين الروم والمسلمين في العصر الذي نؤرخه؛ فقد كثرت الحروب بين الفريقين، وكانت هذه الثغور بين حركتي مد وجزر باستمرار، فمن ابتداء هذا العصر حدثت وقعة عمورية المشهورة في عهد المعتصم، واستمرت بعد ذلك واشتدت بين الروم والحمدانيين، وعلى الأخص أيام سيف الدولة الحمداني.

وليس يهمنا هنا تاريخ هذه الحروب، ولا جانبها السياسي، وإنما يهمنا ما كان لها من أثر اجتماعي أو عقلي.

فقد كانت هذه الحروب سببا في أسر عدد كبير من الروم، واسترقاق كثير منهم؛ ففي وقعة عمورية «أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل الشرف، وقتل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع ... وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه طلبا للسرعة، وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، عشرة عشرة، طلبا للسرعة».

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٥