تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ظهرت عصبية الحمدانيين لعربيتهم في قتالهم المتواصل للترك وللفرس في العراق، وتغني شعرائهم كالمتنبي في الاعتزاز بعربيته وعربيتهم، فيقول - وقد تساءلوا عن أيهم أفضل: العرب أم الأكراد:

إن كنت عن خير الأنام سائلا

فخيرهم أكثرهم فضائلا

من أنت منهم يا همام وائلا

الطاعنين في الوغى أوائلا

والعاذلين في الندى العواذلا

قد فضلوا بفضلك القبائلا

ويقول ويأسف لحكم غير العرب العرب:

وإنما الناس بالملوك وما

تفتح عرب ملوكها عجم

لا أدب عندهم ولا حسب

ولا عهود لهم ولا ذمم

بكل أرض وطنتها أمم

ترعى بعبد كأنها غنم

ويدل على عصبيتهم القبلية ما فعله سيف الدولة من إيقاعه ببني كلاب وبني عقيل، وقشير وبني عجلان، وبطشه ببني حبيب حتى خرجوا بذراريهم إلى الروم في اثني عشر ألف فارس وتنصروا بأجمعهم، ووقوف المتنبي بجانبه يشيد بذكره في حروبه هذه، فيقول حينما أوقع ببني كلاب قصيدته المشهورة التي مطلعها:

بغيرك راعيا عبث الذئاب

وغيرك صارما ثلم الضراب

ويذكر إيقاعه ببنى عقيل وقشير، وبني العجلان في قصيدته التي مطلعها:

تذكرت ما بين العذيب وبارق

مجر عوالينا ومجرى السوابق

ويدل على عصبيتهم الإسلامية قتالهم للروم، وصدهم عن بلاد الإسلام وحمايتهم للثغور، حتى غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، ولولاه لاستولوا على الشام في غفلة العباسيين، وقد رووا أنه جمع من الغبار الذي أصابه في غزواته ما صنع منه لبنة بقدر الكف أوصى أن يوضع خده عليها في لحده.

بين هذه العصبيات الثلاث التركية والفارسية والعربية تقسمت المملكة الإسلامية؛ ولأجلها وقعت الحروب وسادت الفتن، فلا تكاد تخلو سنة من حروب بين فرس وترك وعرب، وأحيانا ينضم بعض إلى بعض؛ فقد كان في جيش بني حمدان أحيانا فرق من الجيش التركي، كما كان مع بعض بني بويه بعض الأتراك، والبلاد تخرب من القتال، والروم ينتهزون فرصة اشتباك أمراء المسلمين بعضهم مع بعض للإغارة على الثغور الإسلامية والتنكيل بها.

وقد اتخذت العصبيات في هذا العصر شكلا واضحا غير الذي كان في العصر العباسي الأول، فقد كان قبل عصبية فارسية وعصبية عربية، ولكنها كانت تعمل في الخفاء غالبا، وكانت قوة الخلفاء تحول دون الطغيان، فإذا أحس الخليفة طغيانا من الفرس نكل بهم، وردهم إلى حدودهم، فلما ضعفت الخلافة، وقتل المتوكل بيد الأتراك، لم يكن للخليفة من النفوذ ما يستطيع أن يصد به هذا الطغيان، فانكشف العصبيات وأصبحت تعمل جهارا، ووسيلتها الحروب.

وكان من نتيجة هذه العصبيات الثلاث، واستعمالها السيف في بسط نفوذها، وضعف الخلفاء عن كبح جماحها؛ انقسام المملكة إلى مناطق نفوذ، فلو نظرنا إلى المملكة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الثالث وفي القرن الرابع الهجري، رأينا الأندلس يحكمها الأمويون وهم عرب، وبلاد المغرب يحكم بعضها الأدارسة وهم عرب، وبعض قبائل البربر، والفاطمية وهم عرب، ومصر والشام يحكمها الطولونيون والإخشيديون، وهم أتراك، ثم الفاطميون وهم عرب، والحمدانيون في الموصل وحلب وهم عرب، والعراق يحكمه الأتراك باسم الخليفة العباسي، وينازعهم السلطان عليه الحمدانيون وهم عرب، ثم يستولي عليه البويهيون وهم فرس، وفارس تتقسمها دول مختلفة: الدلفية في كردستان وهم عرب، والصفارية في فارس كلها وهم فرس، والسامانية في فارس وما وراء النهر وهم فرس، والزيارية في جرجان وهم فرس، والحسنوية في كردستان وهم أكراد، والبويهية في جنوبي فارس وهم فرس، والغزنوية بأفغانستان والهند وهم أتراك.

وكان كل جنس من هذه الأجناس يطبع البلاد التي يحكمها بطابعه الخاص، فطابع التركية حب للجندية والفروسية، والاستكثار من الجنود من جنسهم لتقوية حكمهم، ثم كثرة الخلافة فيما بينهم، وتعصب كل فريق لقائد كالبدو في تعصبهم للقبائل واعتزازهم بقبيلتهم، ونظرهم في شيء من الاحتقار إلى أهل البلاد المحكومة بهم، وانتصارهم لمذهب أهل السنة، وعدم ميلهم إلى الفلسفة والجدل في الدين، وتقريبهم علماء الدين وخاصة علماء التفسير والحديث، وحبهم للأموال يأخذونها من الرعية في غير حكمة وأناة ونظر بعيد، فبدل أن يعنوا بموارد المال من ري، ونظام ضرائب، وإصلاح أراض، وتنظيم تجارة، واستغلال منابع الثروة يجيلون أبصارهم في الناس ، ويتعرفون ذوي الثروة، فينتهزون الفرصة لمصادرتهم أو التنكيل بهم أو نحو ذلك، ثم ينفقون ما تصل إليه أيديهم في الترف والنعيم، فإذا أسرفوا وخلت أيديهم من جديد ثاروا على من لديه المال، ترى تاريخهم في العراق في ذلك العهد سلسلة مطالبات للخليفة بالأموال، فإذا لم يعطهم خلعوه، وإن أعطاهم سكتوا عنه أن يفرغ مالهم، ثم أعادوا الكرة، وهكذا فعلوا في الوزراء والكبراء والتجار، وهم مع كل هذا لا ينظرون إلى وسائل المال ليصلحوها؛ ولذلك سرعان ما ينضب معين الدولة لقد كان لدى الخلفاء ثروة هائلة تقدر بالملايين، فما زالوا يلحون عليهم في طلب المال، والخلفاء يفتدون أرواحهم بالعطاء حتى تركوهم ولا شيء في أيديهم، ومن أجل هذا نقرأ كثيرا في تاريخ هذه العصور دفن الأموال في الأرض، وبناء الحوائط عليها، وتظاهر الأغنياء بالفقر، ونحو ذلك.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٤