77
وكانت حرب بين الروم والمسلمين في صقلية سنة 353ه، فتقدم المسلمون إلى «رمطة» وملكوها عنوة وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار وغنموا ما فيها، وكان شيئا كثيرا عظيما».
78
وفي سنة 343ه غزا سيف الدولة الروم «فقتل وأسر وسبى وغنم»، فانهزم الروم وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته».
79
ومثل هذا كثير فالحروب تكاد تكون متصلة، والأسر من الجانبين متتابع. أنتجت هذه الوقائع نتائج كثيرة:
فمنها أنها خلفت لنا أدبا عربيا حربيا قويا، كقصيدة أبي تمام في فتح عمورية: «السيف أصدق أنباء من الكتب»، وقصائد المتنبي في حروب سيف الدولة للروم، كقصيدته يذكر الوقعة التي نكب فيها المسلمون بالقرب من بحيرة الحدث: «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»، وقصيدته لما سار سيف الدولة يريد الدمستق: «نزور ديارا ما نحب لها مغنى» ... إلخ إلخ، وكالقصائد الروميات لأبي فراس، وهي قصائد من غرر شعره، قالها - لما أسره الروم - في الحنين إلى أهله وأصحابه، والتبرم بحاله من أسر ومرض وغربة إلى غير ذلك.
ومنها ما كان من انتشار الروم من رجال ونساء وغلمان في بيوت الناس والخلفاء والأغنياء كمماليك، حتى إن بعض الخلفاء في هذا العصر كانت أمهم رومية؛ فالمنتصر بالله ابن المتوكل أمه رومية، والمعتز بالله أمه رومية اسمها «قبيحة»، وقد اشتهرت في التاريخ بغناها وثروتها وتغلبها على عقل المتوكل، والمعتمد على الله أمه رومية اسمها «فتيان»، والمقتدر بالله أمه رومية على بعض الأقوال، وكان لها في أيام ابنها سلطان في تدبير الأمور، حتى أمرت قهرمانتها أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس، وأم الراضي بالله رومية اسمها ظلوم ... إلخ.
واستكثر الخليفة المقتدر من الخدم والمماليك من الروم والسودان، حتى قالوا إنه بلغ عددهم أحد عشر ألفا، وكانوا في أول عهده ألفا ومائة.
وفي المقريزي أن أحمد بن طولون - لما ولي مصر - اشترى العبيد من الروم والسودان ... وصار من كثرة العبيد والرجال والآلآت بحال يضيق بها داره ولا يتسع له ... فبنى القصر والميدان، «وتقدم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لنفسهم حوله، فاختطوا ... ثم قطعت القطائع، فكان للنوبة قطعية مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم».
80 «وكانت كل قطيعة لسكنى جماعات بمنزلة الحارات التي في القاهرة».
81
ولما اختطت القاهرة اختطت الروم حارتين. «وفي سنة 399ه أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت».
82
كما كان في بغداد دار تسمى دار الروم بالشماسية، وكان لهم بهذا الحي كنيسة على مذهب النسطورية، ودير يسمى دير الروم.
وانتشرت الجواري الروميات في القصور، وكانت لهن ميزات. قال ابن بطلان: «الروميات بيض شقر، سباط الشعور، زرق العيون، عبيد طاعة وموافقة وخدمة، ومناصحة ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلحن للخزن لضبطهن وقلة سماحتهن، لا يخلو أن يكون بأكفهن صنائع دقيقة.»
وتعشق بعض الشعراء الغلمان الروم، فكان للبحتري غلام رومي اسمه «نسيم»، «كان قد جعله بابا من أبواب الحيل على الناس، فكان يبيعه ويعتمد أن يصير إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبب به وتشوق ومدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات «نسيم» فكفى الناس أمره».
83
وفي «نسيم» يقول البحتري:
دعا عبرتي تجري على الجور والقصد
أظن نسيما قارف الهجر من بعدي
خلا ناظري من طيفه بعد شخصه
فوا عجبا للدهر فقدا على فقد!
وقد أنجب هذا العنصر الرومي أدباء وعلماء، كان لهم في فنهم وعلمهم طابع خاص لم يكن مألوفا في العقلية العربية والفارسية، من أشهر هؤلاء ابن الرومي الشاعر، وابن جني النحوي.
فابن الرومي من أصل رومي كما يدل عليه اسمه، فهو علي بن العباس بن جريج، وله في الشعر ميزات قلما اجتمعت لغيره من شعراء العربية، هي أشبه شيء بالروح الرومي؛ فهو طويل النفس في قصائده طولا قلما يجارى، وهو يقع على المعنى فلا يزال يستقصي فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية، وهو كثير التعليل لما يقول كما يفعل بالنظرية الهندسية والبرهان عليها من مثل قوله: