آنست من وجدي بجانب خده
نارا ولكن ما وجدت بها هدى
إلى كثير من شعره الذي ملئ به ديوانه وكتابه «الفتوحات المكية». وقد ألف السيوطي فيه كتابا سماه «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي»، وقد روي أن بعضهم كفر ابن عربي في مجلس شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وقال فيه: إنه زنديق. ولم يرد عليه الشيخ، فعد سكوته إقرارا، ولكن فسر عز الدين موقفه هذا فيما بعد بأن مجلسه كان مجلس فقهاء، والفقهاء أشد الناس على المتصوفة.
وروى الشعراني أن ابن عربي وصف السلطان الذي يفتح القسطنطينية. وقال: إنها تفتح سنة كذا، فكان الأمر كما قال، وبينه وبين السلطان محمد الفاتح نحو مائتي سنة؛ ولذلك بنى عليه قبة عظيمة، وتكية بالشام. وكانت وفاة ابن عربي سنة 638ه بالصالحية بدمشق. وقال بعضهم: «إن من يتسامح في كلام ابن عربي ويتأول، يسهل عليه المراء، وإن كان ممن يلتزم الظاهر، صعب عليه».
وقد نقده أهل الديار المصرية، وسعوا في إراقة دمه، فخلصه الله على يد الشيخ البجائي، فإنه تأول كلامه. ولما سأل البجائي ابن عربي عن بعض ما ورد على لسانه قال له: «يا سيدي تلك شطحات في محل سكر، ولا عتب على سكران». ومما يدل على مذهبه قوله:
نبه على السر ولا تفشه
فالبوح بالسر له مقت
على الذي يبديه فاصبر به
واكتمه حتى يصل الوقت
وكان يقول ابن عربي: إن كل العالم مظاهر للألوهية، وكان يعتقد أنه رأى محمدا
صلى الله عليه وسلم ، وأنه يعرف اسم الله الأعظم، ويعرف الكيمياء بالتنزيل لا بالتعليل. ومما طبع من كتبه «الفتوحات المكية»، وديوان يسمى «ترجمان الأشواق»، وكتاب «محاضرات الأبرار»، وكتاب «فصوص الحكم»، و«مجموع الرسائل الإلهية».
وأيا ما كان، فقد خلف محيي الدين بن عربي تراثا يلعب بالأفكار والعقول إلى اليوم في الشرق وفي الغرب.
ومن أشهر متصوفة الأندلس ابن سبعين وكان أديبا صوفيا متفلسفا متزهدا متقشفا، وهو من خريجي مرسية كمحيي الدين بن عربي وأبي العباس المرسي، وقد كان تلاميذه يعتقدون أنه ليس له نظير في العلم اللدني، وكان مشهورا بحبه الإيثار، وعطفه على الإنسانية كلها ومحبته لأعدائه، وبيته كان بيت عز ومجد في بلاد المغرب وهو بيت علوي، وقد زهد في رياسة أهل بيته وتركها لإخوته، وقد قالوا: إنه ألف كتابا اسمه «بدء العارف» وسنه خمس عشرة سنة. ولثقافته الأدبية كان يؤدي ما عنده من المعاني أداء حسنا، ويروون أن ابن هود الأمير المشهور تعاقد مع طاغية النصارى، فلم يف الطاغية بعهده فاضطر ابن هود إلى مخاطبة البابا، وأرسل ابن سبعين سفيرا عنه إلى روما.
وذكر ابن خلدون في تاريخه أن السلطان المستنصر ملك إفريقيا بايعه أهل مكة، وخطبوا له بعرفة، وأرسلوا له رسالة بتنصيبه، قال: وهي من إنشاء ابن سبعين، وقد ذكرها ابن خلدون بجملتها وهي طويلة بليغة، وهو يشير في هذه الرسالة إلى أن المستنصر هو المهدي المنتظر. وكان لابن سبعين أتباع كثيرون يتحمسون له، وله تأليفات كثيرة ورسائل كثيرة، ونشأ ترفا موقرا، وكان وسيما جميلا، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده.
وقد اشتهر ابن سبعين حتى وصلت أخباره كما يقولون البابا في روما، وقد ذكروا أن الإمبراطور فردريك الثاني النرماني ملك صقلية عرضت له بعض مسائل فلسفية، عرضها على كثير من علماء المسيحيين والمسلمين فلم يتصد للرد عليها ردا شافيا أعجب فردريك مثل رد ابن سبعين . وكانت الأسئلة هي: (1)
ما هو المقصود من العلم بالله؟ وما مقدماته؟ (2)
ما معنى المقولات؟ وكيف تستخدم في العلوم؟ وما عددها؟ (3)
ما الدليل على خلود النفس؟
وإجابة ابن سبعين في رسالة لا تزال محفوظة إلى اليوم، وهي تدل على اطلاع ابن سبعين على ما ترجم من الفلسفة اليونانية. وله شطحات ورموز على نحو طريقة ابن عربي في نظرية وحدة الوجود. ونقل عبد الرءوف المناوي: أن ابن سبعين كان له سلوك عجيب على طريق أهل الوحدة، وله في علم الحروف والأسماء اليد الطولى. ومن أقواله التي تروى عنه في تلاميذه: «عليكم بالاستقامة على الطريق، وقدموا فرض الشريعة على الحقيقة ولا تفرقوا بينهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا وقولوا عليها وعلى أهلها اللعنة».