وقد ذكر المرحوم السيد محمد رشيد رضا عن ابن سبعين أنه قال: لقد حجر ابن آمنة واسعا بقوله: لا نبي بعدي، وهو كالذي يقوله القاديانية اليوم، وهو يشير من طرف خفي بهذا القول - إن صح - إلى أنه بلغ حد النبوة، وهي نزعة موجودة عند كثير من الصوفية، بل منهم من اعتقد أن الولاية أرقى من النبوة، وقد انقسم الناس فيه أقساما شأنهم في ذلك شأنهم مع كبار المتصوفة كابن عربي، وابن الفارض. فمن تمسك بظاهر الشرع أنكر كل هذه الشطحات وأنكر نزعة الصوفية؛ كما فعل ابن تيمية مع محيي الدين بن عربي؛ ومنهم من يضع الصوفية فوق الفقهاء والعلماء والفلاسفة، فيؤمن بهم ويلتمس بركتهم، كالسيوطي والمقري وأمثالهما، ومنهم من يذهب مذهب التحفظ كالذهبي في تاريخه، فمثلا يقول في ابن سبعين: «كان ابن سبعين من زهاد الفلاسفة، ومن القائلين: بوحدة الوجود، له تصانيف وأتباع، يقدمهم يوم القيامة». وفي رأينا أن كتبه ورسائله لا تزال تحتاج إلى دراسة عميقة لمعرفة قيمته ومنحاه.
11
وخلفه قوم كثيرون من الصوفيين في الأندلس، حتى لا يكاد يخلو عصر من عصور الأندلس من الصوفية؛ من أشهرهم أبو العباس المرسي، وهو صاحب المقام المشهور في الإسكندرية، والمرسي نسبة إلى مرسية، وهي أيضا بلد محيي الدين بن عربي، قالوا: إنه كان يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله؛ حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحفل به، وربما دخل عليه عاص فأكرمه؛ لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثر بعمله ناظر لفعله، وذلك العاصي دخل متواضعا لمعصيته، ذليلا لمخالفته، وكان شديد الكراهية للوسواس في الصلاة. قالوا: إن له كلاما بديعا في تفسير القرآن كقوله في
الحمد لله رب العالمين (الفاتحة: 2): «علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده ... إلخ»، ويقول: «التقوى في كتاب الله على أقسام: تقوى النار، قال تعالى:
واتقوا النار ، وتقوى اليوم الآخر، قال:
واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ، وتقوى الربوبية، قال:
اتقوا ربكم ، وتقوى الألوهية، وتقوى الله، وتقوى الإنية قال:
واتقون يا أولي الألباب ، وقال عند سماعه قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». «أي: أنا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية لله. ولما سمع قول سمنون المحب:
وليس لي في سواك حظ
فكيفما شئت فاختبرني
قال: كان الأولى أن يقول: «فكيفما شئت فاعف عني»، إذ طلب العفو أولى من طلب الاختبار. وقال: «الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعراف جاء من الآخرة إلى الدنيا»، وهكذا له كثير من الأقوال. وألف فيه تلميذه ابن عطاء الله كتابا يذكر فيه فضائله وكراماته.
وممن نعرفهم من المتأخرين أحمد بن فاس، كان شيخا من المتصوفة، ادعى أنه المهدي المنتظر، واستولى على بعض البلاد، وكان في أيام الموحدين، وقتله أحد أتباعه، وألف كتابا سماه «خلع النعلين في التصوف».
والذى نلاحظه أن الحركات علمية كانت أو أدبية، تتلون حسب ميول الأمراء، فإذا كان البيت الحاكم متصوفا، ساد التصوف، أو متفلسفا انتشر التفلسف. وقد شاهدنا أن أسرة جاءت تميل إلى الغزالي، فحييت كتبه، ومجد شخصه، وجاءت أسرة أخرى تخالفه، فأحرقت كتبه، وأعلنت كراهيته.
على كل حال لم ينقطع التصوف في أي زمان كان، ولكن لم يبلغ شأنه كما بلغ على يد محيي الدين بن عربي، وانتقل أكثره إلى تخريف وتدجيل كما كان الحال في الشرق.
ويطول القول لو عددنا أسماء المتصوفة كلها في الأندلس وترجمنا لهم، وأبنا عيوبهم ومزاياهم. فلنكتف بهذا القدر.
| هوامش
الفصل الثالث
| الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي
نذكر في هذا الفصل حركة اللغة والنحو والصرف في الأندلس، وكلها علوم رواية، أكثر منها علوم دراية. ولا بد أن العرب الفاتحين من عهد موسى بن نصير إلى عهد الخليفة الناصر، كانوا ينقلون في البلاد ما عرفوه في الشام من لغة وأشعار ونحوها، إذ كان بعضهم من غير شك مثقفين، يتناقلون الأشعار وأيام العرب والأخبار في سمرهم، إنما لم يكن ذلك علما منظما، حتى جاء عبد الرحمن الناصر فطمح أن يقوي مملكته بما قوى به العباسيون دولتهم. وكان من أسباب قوة العباسيين العلم والشعر والأدب، وغير ذلك، فأراد أن يقلدهم، ورأى أن ليس عنده معلمون كبار ينشرون الثقافة العربية بين أهل الأندلس، فقرر أن يندب لذلك بعض أهل المشرق، وبعد تفكير طويل رأى أن أصلحهم أبو علي القالي، إذ كان أبوه مولى لعبد الملك بن مروان الأموي، فيكون أموي النزعة كعبد الرحمن الناصر، فاستدعاه إلى قرطبة، وأمر ابنه الحكم باستقباله مع طائفة من أعيان البلد، فاستقبل أحسن استقبال.