وإذ كان الناس عادة من طبيعتين مختلفتين ومزاجين متباينين، حتى إن علماء النفس يقسمونهم إلى هذين القسمين، كان النزاع دائما بين الحسيين والمعنويين، بين أهل الظاهر والباطن، بين من مزاجه ذوقي، ومن مزاجه عقلي، بين من يأخذ بالظواهر، ومن لا تقنعه الظواهر، بين أهل الكشف وأهل العقل، بين الفقهاء والمتصوفة ... اختلف الناس في ابن عربي: هل هو مؤمن أشد الإيمان، أو ملحد أشد الإلحاد؟ فينعته بعضهم بالعارف بالله، وقطب الله، وولي الله، وينعته آخرون بأنه زنديق وملحد، وتؤلف فيه التآليف الكثيرة، ويثور الخلاف حوله، كما ثار في المشرق مثلا بين الحلاج والفقهاء،
10
فكان ممن ناصره الفيروزأبادي صاحب القاموس، وكمال الدين الزملكاني، والبلقيني، وشهاب الدين السهروردي، وفخر الدين الرازي، وابن السبكي، وغيرهم. وكان من الناقمين عليه ابن الخياط، والحافظ الذهبي، وابن تيمية، وابن إياس، والتفتازاني، وغيرهم.
وتشهد مصر في عهد الأيوبيين مشهدا كبيرا بين الفقهاء الذين ينكرون على الصوفيين نزعتهم، وعلى رأسهم ابن تيمية الحنبلي، وبين المتصوفة؛ ويؤلفون في الخلاف بين الطائفتين الكتب، وأخيرا ألف كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين».
قال ابن النجار: «اجتمعت بابن عربي في دمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئا من شعره، ونعم الشيخ هو، ذكر لي أنه دخل بغداد سنة 601، فأقام بها اثني عشر يوما، ثم دخلها ثانيا مع الحجاج سنة 608ه وأنشدني بنفسه:
أيا حائرا ما بين علم وشهوة
ليتصل، ما بين ضدين من وصل
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن
يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل
وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين 17 رمضان سنة 560 بمرسية». وقال ابن مسدي: «إنه كان جميل الجملة والتفصيل، محصلا لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق. سمع ببلاده من ابن زرقون، والحافظ ابن الجد، وأبي الوليد الحضرمي، وبسبتة من أبي محمد بن عبد الله». وقال في حقه الذهبي: «إن له توسطا في الكلام، وذكاء وقوة خاطر، وحافظة، وتدقيقا في التصوف، وتآليف جمة في العرفان، لولا شطحه في كلامه وشعره، ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخبر».
ومن نظم ابن عربي:
بين التذلل والتدلل نقطة
فيها يتيه العالم النحرير
هي نقطة الأكوان إن جازوتها
كنت الحكيم وعلمك الإكسير
وقوله:
يا درة بيضاء لاهوتية
قد ركبت صدفا من الناسوت
جهل البسيطة قدرها لشقائهم
وتنافسوا في الدر والياقوت
ولعله يخاطب بذلك الإنسان.
وجاء في نفح الطيب أن المقريزي حكى في ترجمة عمر بن الفارض أن الشيخ محيي الدين بن عربي بعث إلى الفارض يستأذنه في شرح التائية، فأجابه: «كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها». قالوا: «ولما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم حيث كان، وحصلت له بدمشق دنيا كثيرة، فما ادخر منها شيئا»، وقال صفي الدين حسين في رسالته: «رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وقد غلب عليه التوحيد علما وخلقا وحالا، لا يكترث بالوجود، مقبلا كان أو معرضا . وله علماء وأتباع، أرباب مواجيد وتصانيف، وكله بينه وبين سيدي الأستاذ الخراز إخاء ورفقة في السياحات». ومن نظمه:
لما تبدى عارضاه في نمط
قيل: ظلام بضياء اختلط
وقيل: سطر الحسن في خديه خط
وقيل: نمل فوق عاج انبسط
وقيل: مسك فوق ورد قد نقط
وقال قوم: إنها اللام فقط
وقوله:
لك والله منظر
قل فيه المشارك
إن يوما ما نراك في
ه ليوم مبارك
وقوله:
ساءلتني عن لفظة لغوية
فأجبت مبتدئا بغير تفكر
خاطبتني متبسما فرأيتها
من نظم ثغرك في صحاح الجوهري
ويقول:
وعلمت أن من الحديد فؤاده
لما انتضى من مقلتيه مهندا