ولا أراه آخذا
كم ذا أراه منعما
ولا يراني لائذا
وله كلام كثير من هذا القبيل، ظاهره الإلحاد، وباطنه الإسلام مع التأويل، واشتهر شهرة واسعة، وكانت شهرته تسبقه إلى كل مكان يحل فيه، وهو متوكل على الله، ينتقل من بلد إلى بلد، فقيرا زاهدا، فيعطف عليه بعض الأغنياء، فيوزع ما يأخذه هنا وهناك، حتى لقد أعطي مرة بيتا يسكنه، وجاءه سائل يسأله: ويقول: شيء لله، فأعطاه البيت.
وهو من أكبر الناشزين بين الصوفية لفكرة وحدة الوجود، أي: إن الله والعالم شيء واحد، يختلفان في الصورة فقط، ولا يختلفان في الحقيقة، وأن رؤية الأشياء مختلفة، كمنزل ورجل وشجرة ليس إلا أمرا قضت به الضرورة، وليس إلا خداعا من الحواس، ومطاوعة للعقل الإنساني القاصر، فهو يشبه ما يقول من الفلاسفة المحدثون من أن كل شيء أساسه الذرة، وإنما تختلف الأشياء باختلاف النواة الذرية وكمية شحناتها الكهربائية، وإلا فالحقيقة في الكل واحدة، وربما عبر عن هذا بقوله: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها»، فهو يعين خالقا ومخلوقا في الظاهر، ولكنها في الحقيقة شيء واحد. وهو شيء كما يقول لا يدرك بالعقل، بل بالقلب، وليس هناك خالق ومخلوق إلا في الظاهر، وفي ذلك يقول:
يا خالق الأشياء في نفسه
أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه
فيك فأنت الضيق الواسع
ومن ناحية الظاهر والحديث المألوف، هناك خالق ومخلوق، وحق وخلق، وظاهر وباطن، وأول وآخر. وعنده أن إقامة البرهان المنطقي لا يفيد في هذا الباب، إنما يدل عليه الشعور، والرياضة، والذوق، ويرى أن كل المخلوقات من جماد ونبات، وحيوان وإنسان، خاضعة لهذا المعنى، بمعنى أنها كلها تسير على مقتضى طبيعتها وحقيقتها، فالجماد يسكن أو يؤدي طبيعته الطبيعية، بحكم طبيعته، أو بعبارة أخرى: بحكم القانون الإلهي، وكذلك الإنسان والحيوان؛ ولذلك لا يعول كثيرا على تفرقة بين يهودية ونصرانية، ووثنية وإسلام، ويقول في ذلك:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني
ولأن كل إنسان ميسر لما خلق له، وليس في باطن الأمر إلا الله، وهذا لا يمنع من أن الخلق يعشق الحق، فهي كلها اعتبارات، والشيء عادة يحن إلى جنسه، ولولا ذلك ما كانت هذه الجاذبية المبعوثة في عالم الأرض والسماء، وقد تأثر بتعاليم الأفلاطونية الحديثة في قوله: «بلحظات التجلي» فقد عرف عن أفلوطين زعيم هذا المذهب أن الحق تجلى له مرة، فكاد يصعق. والحقيقة عنده أن الأسماء المختلفة هي في الواقع أسماء لمسمى واحد وهي الحقيقة الوجودية وضعت اصطلاحا للفهم والتفاهم:
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، والله خلق آدم على صورته. والذي يقرأ كتابه «الفتوحات المكية» يعجب من سعة خياله، وقدرته على التعبير والتأويل، وربما دل على مذهبه هذه القصيدة:
حقيقتي همت بها
وما رآها بصري
ولو رآها لغدا
قتيل ذاك الحور
فعندما أبصرتها
صرت بحكم النظر
أبيت مسحورا بها
أهيم حتى السحر
يا حذري من حذري
لو كان يغني حذري
والله ما هيمني
جمال ذاك الخفر
في حسنها من ظبية
ترى بذات الحمر
إذا رنت أو عطفت
تسبي عقول البشر
كأنما أنفاسها
أعراف مسك عطر
كأنها شمس الضحى
في النور أو كالقمر
إن أسفرت أبرزها
نور صباح مسفر
أو سدلت غيبها
سواد ذاك الشعر
يا قمرا تحت دجى
خذي فؤادي وذري
عيني لكي أبصرك
إذ كان حظي نظري
وقد عرف في تاريخ ابن عربي أنه وهو في مكة أحب فتاة تسمى «نظام»، ألف فيها كتابه «ترجمان الأشواق» ظاهره عشق هذه الفتاة، وباطنه الله والفناء فيه. ومثل ذلك ما رووه عن ابن الفارض في مصر.
وقد أكثر محيي الدين بن عربي في التأليف، حتى ألف في الأدب والتاريخ، فله ديوان أشعار، وتفسير قرآن، وكتاب في أسرار العلوم.