ولنسلسلها كما سلسلنا الفقه. فأول من علمنا تصوفه ابن مسرة، وهو محمد بن عبد الله بن مسرة، ولد سنة 296ه، وكان أبوه من قرطبة، وعرف أبوه بالاعتزال، وكان الاعتزال في الأندلس قليلا وغير مرغوب فيه، فاضطر أن يخفي ذلك على الناس، ومعروف أن الاعتزال يثير بحث كثير من الإلهيات، ويتسلح أصحابه بالفلسفة اليونانية للدفاع عن الإسلام ضد النصرانية واليهودية كما رأينا في المشرق، فأورث ذلك كله لابنه، ورأى أباه يسر الاعتزال وما إليه، فأسر هو أيضا مذهبه؛ ولهذا اعتزل ابن مسرة الناس أيضا قبل أن يبلغ الثلاثين، والتجأ إلى جبل في قرطبة، يتحنث فيه، وجبال الأندلس عادة خضراء، تبهج النفس، وانضم إليه بعض أتباعه، وساعدته عزلته والمناظر الطبيعية التي أمام بصره على سعة الخيال، وعمق التفكير، وظل أتباعه في الأندلس قرونا طويلة، ومع ذلك لم يستطع هو وأتباعه الكثيرون أن يحافظوا على السرية محافظة تامة، واتهم بالإلحاد، ففر من البلاد مدعيا أنه يريد الحج، وظل خارج الأندلس، حتى تولى عبد الرحمن الثالث الذي اشتهر بالتسامح وتأييد العلماء، وزادت تلاميذه بعد، ويظهر أنه كان يعتنق التقية، فكان مظهره ورعا تقيا، وهو يبث التعاليم العميقة لأخص تلاميذه ومريديه. ولم نعرف له آثارا نستدل منها على آرائه ومذهبه، ولكن مستشرقا إسبانيا عثر على بعض آرائه، وقال: إن كثيرا من تعاليمه تشبه تعاليم أمبيدوقليس وهو فيلسوف يوناني مشهور، عده المسلمون أول الحكماء السبعة اليونانيين، ونسبت إليه كرامات كما تنسب إلى الصوفية، ولم يقتصر أثره على مسلمي الأندلس، بل أثر أيضا في يهودها ونصاراها.
وهنا نتساءل: هل بلغ تصوف الشرق ابن مسرة فتصوف، فيكون تصوف الغرب من تصوف الشرق، أو أن ميله الطبيعي ومزاجه، وتعاليم النصارى الإسبانيين والفلاسفة اليونانيين أنتجت ابن مسرة هذا، فيكون التصوف الأندلسي مستقلا عن التصوف الشرقي؟ هذا سؤال صعب الجواب، ليس بين أيدينا ما يكشف غموضه، خصوصا وقد كان في الأندلس قبل الإسلام زهاد انقطعوا للعبادة.
على كل حال كان ابن مسرة أول من نعرف في الأندلس من المتصوفة، وكان من تلاميذه فيما يروون الهاشمي، وهو أبو بكر محمد، أخذ عن ابن مسرة، وأخذ عنه محيي الدين بن عربي، وكان متقشفا زاهدا، وإن لم نعرف له كتبا، وقد عاصره صوفي كبير آخر، وهو أبو عبد الله القرشي الهاشمي أيضا، نسبوا إليه أقوالا صوفية كثيرة مثل: «من لم يدخل في الأمور بلطف الأدب، لم يدرك مطلوبه منها. من لم يراع حقوق الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصحبة ... إلخ».
وقد مات سنة 559ه بعد أن رحل إلى بيت القدس ودفن به - وكان الناس يتبركون به وبضريحه - والهاشمي هذا هو أحد أساتذة محيي الدين بن عربي. وإذا وصلنا إلى محيي الدين، وصلنا إلى إمام كبير من أئمة التصوف، نثر نصوصه في الشرق والغرب، وهو محيي الدين أبو بكر محمد بن على بن عربي الحاتمي الطائي، وهو عربي من نسل حاتم الطائي، ولد بمرسية بلد أبي العباس المرسي سنة 560ه، وقرأ القرآن وتعلم في إشبيلية، تعلم القرآن والحديث، وأقام بإشبيلية نحو ثلاثين عاما، ثم رحل إلى المشرق، وأخذ الحديث عن ابن عساكر والجوزي، وساح في بغداد والموصل وبلاد الروم، واتسعت معارفه المتعددة. ومن الأسف أنه بعد أن رحل لم يعد إلى الأندلس ثانيا، فقد توفي في دمشق، وقد أعطي بلاغة في القول، وعمقا في التفكير، وسعة في الخيال، وكلما نزل بلدا اتصل بمتصوفيها، له النثر الكبير، والشعر الكثير، لا يعبأ بمال، ولا جاه، وكان كثير الشطح، كثير التأويل، وربما كانت له قصص كثيرة تبين منحاه في القول، فقد قال:
يامن يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني
فاعترض عليه، كيف لا يراه الله؟ فقال:
يا من يراني مجرما