وقد رويت حوادث كثيرة لفقهاء أندلسيين تدل على صدقهم وإخلاصهم وظرفهم، وقد روينا من قبل حكاية يحيى بن يحيى الليثي الذي وقف أمام عبد الرحمن الداخل، وألزمه بالصيام شهرين متتابعين، ومثل ممانعة القاضي الذي تقدم ذكره في استيلاء عبد الرحمن الناصر على بيت أيتام حتى يدفع لهم أكثر من ثمنه، ومثل إضراب أبي عمر بن المكي الإشبيلي شهرين عن الفتوى لقتل ابن أبي عامر عبد الملك بن منذر البلوطي ظلما، ومثل ما يروى أن قاضي قرطبة محمد بن عبد الله بن يحيى كان مارا بمدينة إلبيرة أيام قضائه فيها فرأى فتى يتمايل سكرا، فلما رأى القاضي أراد الفرار فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط، فلما دنا منه القاضي رفع الشاب رأسه، وأنشأ يقول:
ألا أيها القاضي الذي عم عدله
فأضحى به في العالمين فريدا
قرأت كتاب الله ألفين مرة
فلم أر فيه للشروب حدودا
فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا
صبورا على ريب الزمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منة
تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت اخترت الحدود فإن لي
لسانا على هجو الرجال حديدا
فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه ومضى لشأنه.
ومثل أن أبا إبراهيم التميمي القرطبي تخلف عن الحضور في وليمة دعاه إليها عبد الرحمن الناصر، وكان صديقا لابنه الحاكم، فلما سئل في ذلك رد فقال: إن من قبلك من الأمراء والخلفاء كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها ويرد منها، يستعدون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعايهم؛ ولهذا تخلفت. وأراد الناصر أن يدعوه هو وابنه الحكم فاعتذر أيضا، وخاف أن الناس يقولون: إنه يستجلب الدراهم بدعوة الخليفة وابنه. وفي ترجمته ما يعطينا شيئا عن نظام الشورى عندهم، فقد قالوا: إن مجلس الشورى كمل عدده به ستة عشر.
ومثل أن أحد القضاة لمح ما عليه ملوك الطوائف من تخاذل وافتراق رأي، فندب نفسه لجمع كلمتهم، والتوفيق بينهم، وجعلهم جبهة واحدة ضد العدو.
وأخيرا لم يفلح في ذلك، فاستثقله الأمراء، وأيقن بالفشل، وكف عن سعيه ... إلخ إلخ، فهذا يعطينا بعض الفكرة عن مجلس الشورى وقوة رجاله وعددهم وأحيانا ظرفهم.
ولما كثرت المذاهب من ظاهرية ومالكية ومن شيعة إلخ، كثر حبهم للجدل بعد أن كانوا منصرفين عنه، حتى حكى بعضهم أنهم كانوا كثيرا ما يتجادلون في مجلس العزاء، وسبب آخر لهذا الجدل وهو كثرته في المشرق، حتى ألف المشارقة علما سموه علم المناظرة أو أدب البحث، وألفوا علما سموه علم «الخلافيات»، وقد نقل ذلك إلى الأندلس فازداد نشاطهم في البحث والمناظرة.
وقد رأينا أن تاريخ العلم كتاريخ الأفراد، له صبا وشباب وشيخوخة وهرم، فلما انتهى هؤلاء الأعلام كابن حزم، والباجي، وابن العربي، وصل العلم إلى دور الهرم، فأصبح كالرجل الهرم، لا يقوى على المسير، حتى انتهى الفقه.
وهناك ناحية أخرى جديدة بالبحث في الحركة الدينية وهي ناحية التصوف، وكما نشأ التصوف في المشرق في القرن الثاني كذلك نشأ التصوف في الأندلس في القرن الثاني بعد الفتح العربي؛ غير أن تصوف الشرق كان مزيجا من تعاليم الإسلام وتعاليم الفرس والهند واليونان، وتصوف الأندلس كان مزيجا من تعاليم الإسلام وتعاليم الأفلاطونية الحديثة، والتعاليم اليونانية والرومانية، لا الفارسية ولا الهندية إلا ما جاء من قبل المشرق؛ إذ كانت هذه التعاليم كلها هي التي تجاوز الأندلس. يضاف إلى ذلك أن الأندلسيين كان كثير منهم برابرة، وكثير منهم أولاد مسيحيين متصوفين، وقد اشتهر البربر من قديم بأنهم أهل خيال واعتقاد بالمغيبات، وسرعة تصديق لمن يأتي لهم بدعاوى غيبية، ولسنا ننسى ما لقيه العرب عند فتح المغرب من عناء وشدة قتال، وانتفاض على يد من تدعى «الكاهنة» إذا التفوا حولها فآمنوا بها، وأذاقوا العرب في الفتح الأمرين، وهذا يدل على الطبيعية البربرية. وإلى الآن في كثير من البلاد يأخذ البرابرة سمعة قوية في فتح الكتاب، وفتح الكنوز، وقراءة الكف، والادعاء بمعرفة المغيبات، وهي أشياء من قبيل التصوف بعد أن يتدلى؛ ولذلك كله كبرت عند الأندلسيين حركة التصوف.