تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ينعي أهل الأندلس: «إن الأندلس خصت بحسد أهلها للعالم الظاهر فيها، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته، إن أجاد، قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد، وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق، قالوا: متى كان هذا؟ ومتى تعلم؟ وفي أي زمن قرأ؟ ولأمه الهبل، فإن تعرض لتأليف غمز ولمز، واستشنع هين سقطه، وعظم يسير خطئه، وذهبت محاسنه، وسترت فضائله، فتنكسر لذلك همته، وتقل نفسه، وتبرد حميته».

وهكذا عودي كثيرا، وخوصم كثيرا، وتألم كثيرا، وإن كان ذلك كله قد أورثه تجارب دونها في كتابة «الأخلاق».

وقد قرأت لابن العربي كتاب «العواصم من القواصم»،

9

فإذا هو كتاب يدخل على شخصية كبيرة لصاحبه، يروي لنا فيه مثلا أنه لقي الغزالي في دمشق، ويدون محضرا لجلساته معه، وأحيانا يوافقه على ما يقوله، وأحيانا يخالفه، ويذهب مثلا فيه إلى أن الحسين بن علي - رضي الله عنه - خارج على إمام الجماعة يزيد بن معاوية، ثائر عليه، وأنه إنما قتل بشرع جده، ويروي لنا كيف كان الفرس يدخلون في الإسلام شعائرهم الدينية القديمة، فيذيعون التجمير في المساجد للتبخير، وهي عادة فارسية قديمة أدخلوها على الإسلام من أثر عبادتهم للنار، وحكى له ابن خلدون طرفا لطيفة في مقدمته.

على كل حال كان حربا على الظاهرية، وخصوصا ابن حزم، ومع ذلك لم يستطع محو هذا المذهب، فظل بعده أيضا، وعد ابن العربي بحق خاتمة المحققين، وكل من أتى بعده مقلد صغير، وانحط شأن العلوم الدينية، وضعف أمرها.

شأن الأندلسيين في ذلك شأن المشارقة، فالعالم الإسلامي كله وحدة، وهو يخضع لقوانين واحدة، فما حدث في قطر من أقطاره يحدث مثله في الأقطار الأخرى غالبا، فلما ضعف الفقه في المشرق ضعف في المغرب إلا أفرادا قلائل، وقد ضعف الفقه في المشرق لعدم الاجتهاد ولغلبة الأتراك، وغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها في الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وكتابنا يوم الإسلام، إذ أغلقوا باب الاجتهاد، أما في الأندلس فقد داهمهم الإسبان، كما داهم الترك الشرق، فكانت العلل واحدة، إلا أفرادا شواذ كانوا هنا وهناك، أعادوا مجد الفقه الإسلامي في الأندلس، فلما أتى الموحدون بالأندلس أعادوا القول بالاجتهاد، ورأوا أن المختصرات الفقهية جنت على الفقه، فأرادوا إحياءه بالرجوع إلى الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، وعدم العمل بأي مذهب من المذاهب المعروفة، وذلك في حدود سنة 550ه، وأمر عبد المؤمن بن علي الموحدي بإحراق كتب الفروع كلها؛ فخافه الفقهاء، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من العلماء بجمع الأحاديث من المصنفات العشرة المشهورة، ونشر هذا المجموع في الأندلس والمغرب.

قال بعضهم: «لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشبعة التي أحدثت في دين الله، فالمسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هي الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ بها المقلد يا أبا بكر؟! ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي داود، أو هذا وأشار إلى السيف»، وأمر الفقهاء ألا يفتوا إلا من الكتاب أو السنة، وألا يقلدوا أحدا، بل تكون أحكامهم بالاجتهاد، وسار الناس على هذه الطريقة، والتزموا ظاهر الكتاب والسنة، وتحرروا في الاجتهاد، وكان من هؤلاء فقهاء على هذه الطريق مثل: أبي الخطاب، ومحيي الدين بن عربي، وغيرهما، وبذلك نصر الموحدون مذهب الظاهرية ومنهم ابن حزم. ومن الأسف أن بني مرين لما جاءت دولتهم نقضت ذلك كله، وجددت كل الفروع، وأحيت كتب الفقه على مذهب مالك من جديد.

وتاريخ الأندلس في ذلك التاريخ كتاريخ المشرق، إذ المدنية كلها واحدة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٤٤