تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل لهم: أودى علي بن أحمد

فيا رب محزون هناك وضاحك

وكم أدمع تذرى وخذ مقدد

عفا الله عني يوم أرحل ظاعنا

عن الأهل محمولا إلى ضيق ملحدي

وأترك ما قد كنت مرتبطا به

وألقى الذي أنسيت دهرا بمرصد

فوا راحتي إن كان زادي مقدما

ويا نصبي إن كنت لم أتزود

ومما يدل على اعتداده بنفسه قوله:

قالوا: تحفظ فإن الناس قد كثرت

أقوالهم وأقاويل العدا محن

فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا

أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن

وأنني مولع بالنص لست إلى

سواه أنحو، ولا في نصره أهن

لا أنثني نحو آراء يقال بها

في الدين بل حسبي القرآن والسنن

يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي

ويا سروري به لو أنهم فطنوا

دعهم يعضوا على صم الحصى كمدا

من مات من قوله عندي له كفن

إني لأعجب من شأني وشأنهم

وا حسرتا إنني بالناس ممتحن

ما إن قصدت لأمر قط أطلبه

إلا وطارت به الأظعان والسفن

أما لهم شغل عني فيشغلهم

أو كلهم بي مشغول ومرتهن

كأن ذكري تسبيح به أمروا

فليس يغفل عني منهم لسن

إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهم

حتى إذا رأوني طالعا سكنوا

دعوا الفضول وهبوا للبيان لكي

يدري مقيم على الحسنى ومفتتن

وحسبي الله في بدء وفي عقب

بذكره تدفع الغماء والإحن

وهي قصيدة تدل على مذهبه بالأخذ بالنص مع تصوير لطيف لحال أعدائه معه.

واستمرت هذه الحركة طويلا، منهم من يكفره، ويحذر منه العوام والسلاطين، ومنهم من يدس له الدسائس ويتهمه بالسياسة التي تغضب الأمير، ومنهم من يقوله ما لم يقل. وفي ذلك يقول مخاطبا لبعض أصحابه:

وخذني عصا موسى وهات جميعهم

ولو أنهم حيات ضال نضائد

يريغون في عيني عجائب جمة

وقد يتمنى الليث والليث رابض

ويرجون ما لا يبلغون كمثل ما

يرجي محالا في الإمام الروافض

حتى بعض أهله حسدوه على فضله، وناصبوه العداء، وذو الفضل دائما محسود، وقد كان - رحمه الله - كما قال ابن حيان: «إذا حرك بالسؤال يتفجر معه بحر علم لا تكدره الدلاء». وقد روض نفسه على ذلك، فكان يكثر من قوله تعالى:

وأعرض عن الجاهلين . وقوله - عليه الصلاة والسلام: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك»، وقول بعض الحكماء: «كفاك انتصارا لمن تعرض لأذاك، إعراضك عنه»، ويقول هو:

فإني أبيت طلاب السباب

ونزهت عرضي عما يعاب

فقل ما بدا لك من بعد ذا

وأكثر فإن سكوتي خطاب

وقد نبع في تخريج المذهب الظاهري نبوغا جعله إماما يقتدى به، حتى عد صاحب مذهب ظاهري، وعرف أتباعه بالحزمية، وكان له أتباع على هذا المذهب مثل: ابن عبد البر المحدث، والحميدي المؤرخ، وقد مال إلى مذهبه ابن تومرت زعيم الموحدين. وقد انتصر مذهبه في المشرق أيضا، فاعتنق مذهبه ابن سيد الناس الإمام المصري، وقد أخذ بلون منه محيي الدين بن عربي الصوفي الكبير، وابن رشد الفيلسوف الكبير.

وظلت الحركة بعده بين مؤيد ومهاجم، حتى ظهر بعد قرن تقريبا العالم المشهور أبو بكر بن العربي، وانتشر ذكره في المشرق كما انتشر في الأندلس، وكان قد رحل إلى الشرق، وتتلمذ للإمام الغزالي في دمشق، فجاء إلى الأندلس موطنا نفسه على مهاجمة تعاليم ابن حزم. وكان لسنا قوي الحجة، فخلف أثرا كبيرا في الأندلس وغيرها.

وكان ابن الباجي يعمل على تفنيد مذهب الظاهرية، وكان يوفق أحيانا، ولا يوفق أحيانا، وكان واسع العلم، وقالوا: إن كل من رحل لم يأت بمثل ما أتى به ابن العربي إلا الباجي. وكان متفننا في المعارف كلها، مع خلق متين، وقضاء صائب، والتزم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك. قال فيه القاضي عياض: «إنه أقبل على نشر العلم وبثه، وكان فصيحا حافظا، كثير الملح، مليح المجالس».

ولنذكر بعض كلامه في الرد على ابن حزم قال: «وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية، يعرف بابن حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب، وعضدته الرياسة ... فحين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالتهم لافحة» فنازلهم. ورمي ابن حزم بالسخف قول فيه إجحاف، وقد أنصفه ابن حيان، والذهبي، وشكا ابن حزم نفسه من علماء وقته، فقال: «إن المثل السائر: أزهد الناس في عالم أهله»، وقرأت في الإنجيل أن عيسى - عليه السلام - قال: «لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده»، وكان يعتقد أن من سوء حظه أنه أندلسي، ولو كان مشرقيا لعرفوا فضله، وشادوا بذكره، وكان له شأن آخر غير شأنه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٤٣