تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال حرك عقول الأندلسيين بتآليفه ودعوته إلى المذهب الظاهري، وقد كان الأندلسيون مقلدين مذهب مالك من غير بحث، فكنت ترى في أكثر مجالس العلماء من يؤيده، ومن يهاجمه، حتى اشترك في ذلك الأمراء أنفسهم، وربما كان أقواهم في الرد عليه والوقوف أمامه الفقيه الأندلسي المشهور «أبو الوليد الباجي» وكان فقيها متكلما، ولي القضاء مدة، وأكثر من التصانيف، ورحل إلى الشرق، ولقي كثيرا من علمائه، وأخذ عنهم، وكان فقيرا يعمل بيده ليعيش، وظل في الشرق نحو ثلاثة عشر عاما يتبحر في العلوم، فلما قدم الأندلس، وجد أن ابن حزم لطلاوة حديثه، وقوة حجته، وقد أمال إليه كثيرا من الناس، وشكك بعضهم، ورأى أن أهل الأندلس ليس منهم من هو في قوة جدله، فكلمه الأندلسيون في ذلك، وكانت له معهم مجالس مشهورة، في بعضها ينتصر ابن حزم، وفي بعضها ينتصر الباجي، فإذا انتصر الباجي هلل الناس وكبروا.

وربما كان أكثر ما يدل على قيمة هذه المناظرة وقوة كل، وتفوق ابن حزم على الباجي حكاية صغيرة لطيفة، إذ قال الباجي لابن حزم: «أنا أعزم منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبته وأنت معان عليه: تسهر بمشكاة الذهب، وطلبته أنا وأنا أسهر بقنديل بائت السوق، فقال ابن حزم: هذا كلام عليك لا لك؛ لأنك إنما طلبت العلم، وأنت في تلك الحال، رجاء تبديلها بمثل حالي، وإنما طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة» فأفحمه.

وقد قال عياض العالم المشهور: «قال لي أصحاب الباجي: كان يخرج إلينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة يحصل رزقه، إلى أن فشا علمه ونوهت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته، حتى مات عن مال وافر». ومن مثل ما كانت تدور عليه المناظرة بين الباجي وابن حزم حديث روي، وهو أن النبي

صلى الله عليه وسلم

وقع على صلح الحديبية، فظاهر الحديث يدل على أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - كتب اسمه، والقرآن يقول: إنه نبي أمي، فكيف التوفيق بين ذلك؟ أما ابن حزم فقال: إنه وقع كالظاهر، ولكن توقيعه لا ينفي أميته ككثير من الملوك يوقعون بإمضاءاتهم وهم أميون، أما الباجي وغيره، فيؤولون التوقيع.

ولنسق لك صورة مما كان يجرى بين الظاهرية وخصومهم، فأصحاب المذاهب يقولون للظاهرية: إنكم جامدون عند اللفظ، لا تنظرون للمعاني المقصودة من روح التشريع، وكان الله ينعي على الكفار اقتصارهم على فهم ظواهر الدنيا، فقال:

يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا

فكيف بمن اقتصر على ظاهر الشريعة؟ فيقول الظاهرية: إن القصد من الشريعة هو التعبد، وظهور سر الامتثال، أما التعمق في القياس والعلل، فيخرجها من حد التشريع الإلهي إلى التشريع الوضعي البشري.

نعم إن هناك عللا للأحكام إذا نص عليها عملنا بها، أما إذا لم ينص عليها لم نستطع العمل بها. فمن أين يستفاد أن العلة في تحريم الربا هي الاقتيات والادخار، أو الكيل والوزن كما يقول أهل القياس، ومن أين يستفاد من قوله - عليه السلام: «الولد للفراش» أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق، وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج، وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر: إنه ابنه؛ لأنها صارت فراشه. فنحن ننكر هذا التمثيل وهذا التشبيه، والله تعالى يقول:

وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ، ولم يقل: إلى آرائكم وأقيستكم. ويرد عليهم القياسيون بأن قوله:

فحكمه إلى الله

لا يمنع القياس؛ لأن ما قيس على كلام الله فهو حكم الله أيضا. فالنظر إلى المقاصد وهي اللب واجب، وهكذا. واستمر الباجي يناظر ابن حزم عهدا طويلا، والحرب بينهما سجال.

وكان ابن حزم كثير الاعتداد بنفسه، وقد نعى نفسه قبل وفاته فقال:

كأنك بالزوار لي قد تبادروا

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٤٢