تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

واطلع الغزالي على كتاب له في أسماء الله الحسنى، فقال: «إنه يدل على عظم حفظه، وسيلان ذهنه»، وكل ما أخذوه عليه أنه طعن في كثير من العظماء بلسان حاد لاذع، ومنحه الله طولا في العمر فعاش اثنتين وسبعين سنة، إذ توفي سنة 456ه. ومن أهم تأليفه كتاب «الفصل في الملل والنحل»،

7

فحكى المذاهب المختلفة في أهم العقائد وأهلها، وناقش كل فرقة من المخالفين له كالمعتزلة، والأشعرية، والشيعة، وغيرهم. ومكنه من ذلك أنه لم يقلد طائفة معينة، بل قال ما يوحيه إليه اجتهاده هو، ومن خالفه في شيء هاجمه في شدة وقسوة. ومع أن الأشعري كاد يكون مقدسا في المشرق والمغرب، فابن حزم لم يعبأ به، وهاجمه مهاجمة عنيفة، كما هاجم الصوفية، ومن يعتقد في التنجيم، وفي الأولياء.

ولم يكتف ابن حزم بمهاجمة أصحاب الفرق الإسلامية، بل هاجم اليهودية والنصرانية، واستغل العقيدة الإسلامية بأن التوراة والإنجيل حرفا عن أصلهما استغلالا عظيما، وحاول بكل إمكانه أن يجد تناقضا في كتبهم؛ ليبرر اتهامهم في تحريف النصوص.

ويظهر أنه ألف في ذلك رسالة خاصة، ثم أدمجت في الكتاب؛ كما تضمن الكتاب رسائل أخرى، وهذا ما سبب أن هذا الكتاب لم يخضع للمنهج المنطقي الدقيق، والقارئ له يدهش من طول نفسه، وقوة حجته، وسعد اطلاعه، وبلاغته التي قد تفوق بلاغة الغزالي في إحياء العلوم. ومن مبتكرات ابن حزم في هذا الكتاب أنه أراد أن يستنبط من المذهب الظاهري الذي ذكرناه عقائد خاصة، مطبقة على هذا المذهب، والإنسان يعجب: كيف استطاع ابن حزم - هذا الذي عاش عيشة مترفة في القصور وبين الجواري - أن يؤلف مثل هذه الكتب، وربما ساعده على ذلك أنه كان ذا عقل لاقط يرى كل شيء، فيفهم سره، حتى دلال الجواري ومغازلتهن. وهاجم في كتابه القياس، والرأي، والاستحسان، والتقليد، والتعليل، وله رسالة بهذا الاسم لا تزال مخطوطة. وقد قال المنصور من الموحدين عند وقوفه على قبره: «كل العلماء عيال على ابن حزم». وقد صدق؛ فقلما نجد له نظيرا، فقد شغل الناس في المشرق والمغرب بين مؤيد ومعارض.

وعلى الجملة، فقد قال فيه ابن حيان بحق: «إنه يصك معارضه صك الجندل»، فكان لا يأبه بمن يعارضه، عظيما أو غير عظيم، مبجلا أو غير مبجل، كالأشعري، وأبي حنيفة، ومالك وغيرهم. ومن الأقوال الشائعة أن قلم ابن حزم كسيف الحجاج، كلاهما ماض حاد. وقد اعتذر في بعض كتبه عن حدته بأنها كانت ترجع إلى مرض كان يلازمه؛ ولذلك كان محسدا من فقهاء عصره من سنيين، وشيعة، ومعتزلة، يدسون له الدسائس عند الملوك، حتى يبعد من القصور، وربما كان هذا نعمة؛ لأنه أتاح له أن يتحفنا بتآليفه العظيمة القيمة.

وقد قال الذهبي فيه: «وقد امتحن هذا الرجل وشدد عليه، وشرد عن وطنه، وجرت عليه أمور لطول لسانه، واستخفافه بالكبار، ووقوعه في أئمة الاجتهاد بأقبح عبارة، وأفظ محاورة، وأمنع رد»، وظل صلبا في مذهبه صلابة تستدعي الإعجاب. قال ابن حيان: «وأكثر معايبه عند المنصف له جهله بسياسة العلم»، ويعني بسياسة العلم: الملاينة والرد في هدوء ووقار.

والحق عندنا أن ابن حزم كان موضع إعجاب في حرية رأيه ووقوفه عند النصوص، مهما خالفه الكبار، فليس يهمه رأي مالك أو أبي حنيفة في المسائل الفقهية، ولا الأشعري ونحوه في العقيدة، أما ما يعاب عليه حقا، فهو طعنه في العلماء والكبار، بكل صراحة مع التجريح الشديد. وقد وصل إلينا أخيرا من تأليفاته رسالة في «المفاضلة بين الصحابة»،

8

وهي المسألة التي ثار فيها الخلاف الشديد بين الشيعة وأهل السنة.

والمطلع عليها يعجب لمنطقه الدقيق فيها، فهو يذكر أولا معنى الفضل، وبم يتفاضل الصحابة كقاعدة للبحث مع الحجج المقنعة، العقلية والنقلية، ثم يفاضل على هذا الأساس بين الصحابة بالدليل. وهو يدل على سعة اطلاع وكبر عقل.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٤١