4
وقد دافع عن هذا المذهب إلى أن مات، وقد تأثر ابن حزم إلى درجة كبيرة أيضا بأستاذه أبي علي الفاسي، وكان كما قال ابن حزم عاقلا عالما عاملا، متقدما في الصلاح والنسك. قال: «وما رأيت مثله علما وعملا ودينا وورعا، فنفعني الله به كثيرا، وقد علمت منه موقع الإساءة وقبح المعاصي».
وقد تعلم ابن حزم الحديث وتبحر فيه، وقد اتبعه كثيرون على مذهبه الظاهري، وخرجوا من مذهب مالك إليه، كما أن كثيرين ضاقوا به ذرعا، وأنكروا عليه صراحته، وأعلنوا الحرب على كتبه، حتى بلغ بهم الغيظ أن أحرقوها علنا في إشبيلية.
وقد وصف هو حالته واضطهاده من الخلفاء العامريين الذين أتوا بعد الأمويين، لميله السياسي إلى الأمويين، قال: «ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام بالنكبات، وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والتغريب، والإغرام الفادح، وأرذمت
5
الفتنة، وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير، رحمه الله».
وقال في موضع آخر: «ثم ضرب الدهر ضرباته، وأجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند البربر، وخرجت عن قرطبة سنة 404ه، وتقلبت في الأمور ... إلخ». وظل يتلقى العذاب من خصومه السياسيين، وخصومه العلماء، والحق يقال: إن المذهب الظاهري، تغلغل في نفس ابن حزم، فلو قرأت مذهبه وكتبه وجدت أمثلة من نظرة الظاهري، ووقوفه عند حرفية النصوص.
ويظهر أنه كان ضيق الصدر حسب مزاجه، حاد اللسان، يصك به معارضه، مما أثار عليه خصومه، ولم يخلفه في الدفاع عن الظاهرية إلا ابن تيمية فيما بعد، وقد اختلف الناس في أصله، أكثر مؤرخي العرب يقولون: إن جده الأعلى كان نصرانيا وأسلم، وأن جده هذا كان مولى فارسيا ليزيد بن أبي سفيان. وذهب ابن سعيد وتبعه بعض المستشرقين إلى أن جده الأعلى هذا كان من القوط الذي غزوا إسبانيا، وأقاموا فيها. وأيا ما كان فقد كان أبوه وزيرا للحاجب المنصور بن أبي عامر. فعاش عيشة أرستقراطية، وعني بابنه علي بن حزم، وعلمه على يد كثير من المشايخ، ولكن نكبه ابن أبي عامر، ونكب معه أهل بيته فشردوا، ونفوا، وتحملوا العذاب بعد العز والترف، وتوفي والده سنة 402ه، وفارق ابن حزم قرطبة، وذهب إلى المرية، وعاش هناك في هدوء، مشتغلا بالعلم والتأليف، ثم عادت دولتهم واختير ابن حزم نفسه وزيرا، ولكنه لم تطل وزارته، إذ نكبه سيده. وعكف أكثر وقته على التأليف حتى ذكر ابنه أنه ألف أربعمائة كتاب، قال صاعد: «كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة، والشعر، والسيرة، والأخبار».
وقال الذهبي: «وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعة العمل بالكتاب والسنة، والمذاهب والملل والنحل، والعربية والآداب، والمنطق والشعر مع الصدق والديانة، والحشمة، والسؤدد والرياسة والثروة».
وقد قارب ابن حزم في عصره عبد الواحد المراكشي، فقال عنه: «إنه بعد أن استوزر نبذ الوزارة، واطرحها اختيارا، وأقبل على قراءة العلوم، وتقييد الآثار والسنن، فنال من ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس، ومبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والمثل، وكتب الأدب، والرد على المخالفين له، نحو من أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله، إلا ابن جرير الطبري، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا ... ومن أجود ما أحفظ له بيتان قالهما في رجل نمام:
أنم في المرآة في كل ما درى
وأقطع بين الناس من قضب الهند
كأن المنايا والزمان تعلما
تحيله في القطع بين ذوي الود
وهو أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرا في مجالس الرؤساء، وعلى ألسنة العلماء، وذلك لمخالفته مذهب مالك بالغرب، واستبداده بعلم الظاهر، ولم يشتهر به قبله عندنا أحد ممن علمنا، وقد كثر أهل مذهبه وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم، أقول : وقد بقيت شهرته كبيرة بعد وفاته وقد ماتت العداوات بموته، وظل موضع إجلال وتقدير من العلماء بعده».