1
ومن محاسن هذا الكتاب أنه يذكر الخلاف في كل مسألة حدث فيها الخلاف بين الفقهاء، ويرجع ذلك إلى سببه، ويضع قاعدة عامة فيقول: «إن أسباب الاختلاف ستة؛ أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، وثانيها: الاشتراك الذي في الألفاظ كلفظ القرء الذي ينطلق على الطهر وعلى الحيض، ولفظ الأمر، هل يحمل على اللزوم؛ أو على الندب، والسبب الثالث: اختلاف الإعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز، والخامس: عد اللفظ مطلقا تارة ومقيدا تارة أخرى، كإطلاق الرقبة على كل عبد، وقيد يقيد بالعبد المؤمن، والسادس: التعارض بين القياسات أو الإقرارات، أو معارضة القياس للأفعال، أو نحو ذلك». وقد طبق هذا المبدأ على كل أنواع الخلاف في الفقه تطبيقا بديعا. فكان هذا خطوة جديدة.
ولنسق مثلا في كيفية تطبيق هذا المبدأ، فهو مثلا يعرض لمسألة قصر الصلاة في السفر، فيرى أن بعض الفقهاء حدد للسفر عدة أميال معينة، وبعضهم أطلق السفر على كل سفر، فيقول: إن بعضهم راعى السبب العقلي في القصر، وهو المشقة الشديدة، وبعضهم وقف عند النص. فكان هذا سبب خلاف، وهكذا في كل موضوع.
ثم كان أن اخترع الشافعي أصول علم الفقه كالذي عليه أكثر المؤرخين، فانتقل هذا إلى الأندلس، فألف فيه ابن حزم أصول الأحكام، وتبعه الشاطبي في كتابه «الموافقات»، فنرى أن الشاطبي أخذ فكرة الأصول عن الشافعي وأمثاله، ولكنه بحث موضوعات لم يبحثها المشارقة، وعرضها في أسلوب ألطف من الأسلوب الذي اتبعه المشارقة في كتابة الأصول، واستشهد أيضا ببعض أحداث حدثت في الأندلس، وهكذا.
وأما علوم القراءات فقد نمت أيضا في الأندلس، فالشاطبي
2
الذي ألف رسالته المسماة «حرز الأماني»، والتي تسمى بالشاطبية نسبة إليه قد اشتهرت في الشرق والغرب جميعا، وأخذت عمادا للقراءات في مختلف العصور والأقطار؛ كما عنوا بتفسير القرآن، واشتهر عندهم تفسير القرطبي،
3
وقد اتبع في تفسيره ذكر الآية، ثم يذكر ما فيها من اللغة ووجه الإعراب، والمعنى العام، وما يستنبط منها من أحكام ... إلخ، وقد جمع فيه بين المنهجين: منهج الرواية كالطبري، ومنهج الدراية كالزمخشري، وشاع الانتفاع به في العالم الإسلامي.
وكان عالم الأندلس الديني غير مدافع ابن حزم: فقد كان واسع الاطلاع، قوي النفس في الجدل، متعدد نواحي النبوغ، لينا، يهاجم من خالفه، حتى يدخله في قمقم. يظن من يقرأ له علما أنه لا يحسن غير هذا العلم لمهارته فيه، فإذا هو كذلك يحسن كل علم تقريبا، فهو نابغة في الحديث، وفي علم الكلام، وفي التاريخ، وفي أصول الفقه، وفي الأدب. وقد ألف في ذلك تأليفات كلها قيمة، حتى في المنطق والفلسفة، ولعله تعلم الجدل أول أمره، إذ نشأ شافعيا يناضل أهل المذاهب الأخرى، وقد اشتهر الشافعية بذلك، ثم انتقل إلى مذهب الظاهرية بتأثير أستاذه الظاهري أبي الخيار؛ ولعل ما يوضح ما هو مذهب الظاهرية، ما كتبه هو نفسه، في كتابه أصول الفقه، المسمى «الإحكام في أصول الأحكام»، وقد سلك فيه مسلكا يدل على الابتكار، وتكلم في مسائل لم يتكلم فيها أهل المشرق من الظاهرية، ومن خير ما فيه فصل في الدفاع عن الحجج العقلية، ووجوب الأخذ بها، وفصل آخر في معنى الصحابي، وأنه ليس كل من رأى النبي
صلى الله عليه وسلم ، وفصل في كيفية ظهور اللغات، وفصل في معنى الظاهرية. وملخصه أن الظاهري لا يعتمد في استنباط الأحكام الشرعية على القياس، بل على النص، وإذا كان النص مطلقا أخذ على إطلاقه، إلا إذا قيده نص آخر. واعتماد الظاهرية على النصوص فقط أسلمهم أحيانا إلى بعض المتناقضات، مثل: أنهم يوجبون غسل الإناء من ولوغ الكلب لوجود النص، ولا يغسلونه من ولوغ الخنزير لعدم نص في ذلك ، وبينما يبيحون الرخص في بعض المسائل، يشددون في بعضها الآخر، فهم مثلا يجيزون للجنب قراءة القرآن والجلوس بالمسجد، وهم لم يشترطوا في البيع صيغة خاصة كبعض المذاهب، وهذا يسر ظاهر، ولكنهم أوجبوا غسل اليد ثلاثا بعد النوم، وحكموا بنجاسة الماء الذي مسته يد مستيقظ لم يغسل يده ... إلخ.