ومما يدل على جلالته وجاهه أن الأمير عبد الرحمن الناصر، اتصل بجارية يحبها في رمضان ثم ندم على ما فعل ندما كبيرا، فسأل يحيى عن الكفارة، فقال له: تصوم شهرين متتابعين. فلما خرج قيل له: لم لم تفت بمذهب مالك في التخيير بين الصوم وعتق رقبة، فقال: «لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يتصل كل يوم بجواريه، ثم يعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمرين؛ لئلا يعود». وقد اتهم بإثارة الشغب في وقعة الربض المشهورة، ضد الأمير الحكم، ثم عفا عنه، وقد كان في الأندلس ملكا غير متوج، ومات سنة 234ه.
وأما عيسى بن دينار فقد كان فقيها بارعا، ومؤلفا مكثرا، ألف كتاب الهداية. ويقول ابن حزم: «إنه أرفع كتب جمعت في معناه على مذهب مالك، وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب». وقال بعض المؤرخين: «إنه لم يكن أحد في وقته أعلم منه». وقد جمع بين الفقه والزهد، وتولى قضاء طليطلة، ورأس الشورى بقرطبة، وعدوه أفقه من يحيى بن يحيى الليثي، وقد توفي سنة 212ه على أشهر الأقوال.
وعلى الجملة: فقد كان هو وابن حبيب ويحيى أفراس رهان، كل له ميزته.
هؤلاء كانوا ناشري العلم الأولين في بلاد الأندلس، وجاء بعدهم طبقة أخرى قدمت العلم خطوة جديدة؛ من أشهرهم: قاسم بن أصبغ من أهل قرطبة، فقد ساح بالقيروان وبمصر وبالعراق، ثم عاد إلى الأندلس بعلم كثير، وكان بصيرا بالحديث والرجال، ألف كتابا طويلا ثم اختصره، وسماه «المجتنى»، وقدمه للحكم المستنصر؛ وفيه من الحديث المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثا في سبعة أجزاء. فهو كذلك أكثر من الحديث وصنفه على أبواب الفقه، وكان له الفضل في نشر العلم بالأندلس على هذه الطريقة، وله مصنف جليل القدر، احتوى على بيان صحيح الحديث وغريبه، كما ألف في أحكام القرآن، وفي فضائل قريش، وفي الناسخ والمنسوخ، وقد ولد سنة 247ه.
وبقي بن مخلد، وقد ساعد أيضا على تدعيم مذهب مالك، وكان واسع الاطلاع، وإنما قلنا: إنه نقل العلوم نقلة جديدة؛ لأنه جمع أحاديث كثيرة كما فعل الإمام أحمد، وصنفها على حسب أبواب الفقه، وبين الاستنباط منها، فكانت كتبه كتب حديث وفقه معا. هذا إلى سعة في التحصيل، فقد رووا أنه كان له مائتان وأربعة وثمانون شيخا. ولما أراد ابن حزم أن يفخر بمن في الأندلس من علماء، كان بقي هذا أحد الذين افتخر بهم وعده من مفاخرها. وقد ألف بقي هذا تفسيرا كبيرا اطلع عليه ابن حزم، وقال: «أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد بن جزير الطبري ولا غيره». وله كتاب في الحديث كبير، رتب فيه حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، قال ابن حزم: «وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه، واحتفاله في الحديث». وله مصنف في فتاوى الصحابة والتابعين. وعلى كل حال فقد كان دعامة من دعائم العلم في الأندلس.
وخطوة ثالثة: وهي التوسع في استنباط الأحكام من القرآن والأحاديث الصحيحة، وربما كان من خير من يمثل هذه الطبقة أبو عمر يوسف بن عبد البر، فقد ألف كتابا سماه «التمهيد»، وكان كتابا واسعا، ملأه بالكلام على فقه الحديث، وألف كتابا كبيرا سماه «الكافي في الفقه» على مذهب مالك، قصره على ما بالفتى حاجة إليه؛ كما ألف كتابا في الصحابة جليلا اسمه «الاستيعاب» يترجم فيه لكل صحابي، ويورد أخباره، فكان أول كتاب من نوعه قبل أن يؤلف ابن حجر العسقلاني كتابه «التهذيب».
فإذا خطونا خطوة أخرى، رأينا في المشرق أن الخلافات بين الفقهاء تصارعت وألفت الكتب المختلفة فيها، وجمع بعض الفقهاء المذاهب المختلفة في كل مسألة، وألف في اختلاف الرأي كتب كثيرة، كما فعل الطبري في كتابه «اختلاف الفقهاء»، فانتقل هذا إلى الأندلس، فرأينا مثلا حفيد ابن رشد الفيلسوف يؤلف كتابا في اختلاف المذاهب وعللها، ويسميه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد».