وزاد الطين بلة أن المسلمين كانوا قد أجادوا استعمال النفات وهي آلات تشبه المدفع في أبسط أشكاله، واستخدموه في حروب الصليبيين وأتقنه الأندلسيون وأخذه الإسبانيون عنهم وزادوا في تحسينه، واتخذوه وسيلة فعالة لدك الحصون، فكان هذا قوة كبرى في انتصار الإسبان إلى ضعف المسلمين وسوء تصرفهم، وفساد علاقاتهم.
يضاف إلى ذلك أن المسلمين بالأندلس استنجدوا بملوك المسلمين في أنحاء العالم من مغاربة ومصريين وأتراك، فلم يغيثوهم، ونظرت كل مملكة إلى نفسها، والاقتصار على مشاكلها، بينما كان النصارى في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها يتعاونون على طرد المستعمرين من الأندلس، وإعادتها مملكة نصرانية كما كانت، فاجتمعت الألفة والقوة والحماسة على الضعف والتفرق والتخاذل، فكانت النتيجة طبيعية، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
فمثل هذه الأمور هي التي جعلت بعيدي النظر من أهل الأندلس يرون الخاتمة محققة، وهي طردهم من البلاد واستيلاء الإسبانيين عليها، وقد كان ...
هذه خلاصة وجيزة لحالة الأندلس الاجتماعية، وحياتها الفكرية، نفصلها فيما يأتي إن شاء الله.
| هوامش
الفصل الثاني
| الحركة الدينية
بدأت العلوم الدينية في الأندلس بانتقال بعض الصحابة والتابعين حينما هم موسى بن نصير بغزو الأندلس وفتحها، فكان معه بعض الصحابة والتابعين؛ نذكر منهم: المنيذر أو المنذر على اختلاف فيه، وهو صحابي، وممن دخلها من التابعين موسى بن نصير الفاتح، وعلي بن رباح، وحنش بن عبد الله الصنعاني، كانوا جنودا في الجيش الفاتح، وهم مع ذلك حملة علم، وربما كان حنش هذا أعلم التابعين، وهو من أصل يمني؛ كان من أصحاب علي بن أبي طالب، وخرج مع عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، وكان أهل الأندلس يفخرون بوجوده بينهم. وأما علي بن رباح فبصري تابعي، وكان له مكانة عند عبد العزيز بن مروان في المشرق.
هؤلاء وأمثالهم بذروا البذرة الأولى في العلوم الدينية في الأندلس، وكانت أشبه ببذرة المشرق، فكانت عبارة عن قرآن كريم يتلى ويحفظ ويقرأ بالقراءات، وحديث يفسر عن النبي وعن الصحابة. والحديث يتضمن أحكاما دينية، وأخبارا عن سيرة الرسول وغزواته، وأعماله، وأخبار أصحابه وآرائهم وروايتهم ... إلخ. والثقافة الأولى في المشرق والمغرب فيها دين وفيها أخلاق، وفيها تاريخ، وفيها غير ذلك، وكانت هذه الأقوال تنتشر انتشارا كبيرا، حتى لتترجم إلى اللغة البربرية، ويتثقف بها البرابرة والمولدون، وكان هذا عملا جليلا قام به هؤلاء الصحابة والتابعون وكانوا يعدون الرعيل الأول. وأما الطبقة الثانية فمن أشهرهم رجال ثلاثة: (1)
عبد الملك بن حبيب السلمي. (2)
يحيى بن يحيى الليثي. (3)
عيسى بن دينار.
فأما عبد الملك بن حبيب، فله فضل نشر مذهب مالك في الأندلس، إذ كان مالكيا، وفي بعض الأقوال أنه لقي الإمام مالكا وأخذ عنه وكان فقيها عالما، ومعلما ممتازا في إلقائه وسعة اطلاعه. وكان يقال في الأندلس: «فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى». وقد كانت الثقافة العامة بين المتعلمين الفقه والأدب، ثم التخصص، فترى أكثر علماء الأندلس فقهاء أدباء أولا، ثم متخصصين، وهكذا كان عبد الملك هذا أديبا مؤرخا عالما باللغة والإعراب، له الأشعار الكثيرة، ثم متخصصا في الفقه.
نعم؛ طعن بعضهم في بعض أحاديثه، وقالوا: إن له غرائب لم يعرفها المحدثون، ولكن الأكثرين على توثيقه. وأما يحيى بن يحيى الليثي، فقد أتم نشر مذهب الإمام مالك إذ كان رجلا وقورا مهيبا ذا سلطة ونفوذ، فعمد إليه خلفاء الأندلس أن يختار هو القضاة وإذ كان مالكيا كان لا يختار إلا المالكية، وإذ ملأ الناس حب الدنيا رغبوا في المذهب للمنصب. وأسس يحيى لقضاة الأندلس أسسا متينة، فقد وضع نظام القضاة، وسمي قاضي القضاة، وقاضي الجماعة، ورتب مجلسا للشورى، وسمى أعضاءه، فكان إذا ترجم لشخص منهم كان من شرفه أنه من رجال الشورى. ومن الأسف أننا لم نقف على النظام الدقيق لهذا المجلس إلا نتفا هنا ونتفا هناك، وكل ما نستطيع أن نقوله: إنه كان ينظر في الفتيا وفي المشاكل الفقهية، ويبدي فيها رأيه. وكان عددهم في بعض الأزمان كما روى بعض المؤرخين ستة عشر، وأصل يحيى هذا من البربر، خرج إلى مالك في المدينة، وتفقه عليه، وروى الموطأ عنه، وروايته مشهورة في الشرق كله، وسمع من غير مالك، فسمع في مصر من الليث بن سعد، وفي مكة من سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن قاسم العتقي، وكان عفيفا أمينا، فكان في الأندلس كأبي يوسف في المشرق، إلا أن يحيى تعفف عن القضاء، وعن المناصب الحكومية، فزادت قيمته.