تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمثلا كان ابن هود أميرا على مرسية، ودعا إلى تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى على السواء، وكان المأمون الموحدي أميرا على بلنسية، فوقع العداء بين ابن هود والمأمون، واضطر ابن هود أن يتحالف مع ملك قشتالة النصراني وأن يتنازل له في نظير ذلك عن عدد من القواعد والحصون، وأن يتعهد بمنح النصارى في أرضه بعض الامتيازات. وكانت بلنسية في يد الموحدين، وتولى إمارتها أبو عبد الله محمد أخو المأمون، وتلقب بالعادل، فلما رأى لجوء ابن هود إلى ملك قشتالة لجأ هو أيضا إلى الاستغاثة بملك أرجوان، وتعهد له بأداء الجزية، فلما رأى سخط شعبه عليه من أجل ذلك، التجأ إلى ملك أرجوان واعتنق النصرانية، وكذلك فعل أبو جميل الزيان أمير مرسية إذا طلب حماية ملك قشتالة، ووقع معه عقد مهادنة، ولما ظهر بنو الأحمر في غرناطة واستولوا عليها، خاصم ابن الأحمر عتبة بن يحيى المغيلي، وكان المغيلي هذا يأمر بسب ابن الأحمر على المنابر، فوقع بين الخصمين قتال عنيد. ثم رأينا والي مرسية، ووالي لقنت وأريولة، وغيرها يعقدون الصلح مع ملك قشتالة على أن يعترفوا بطاعته، ويؤدوا له الجزية، وأن يظلوا في ظله، يحكمون ويستأثرون بموارد بلادهم تحت حمايته، ولما كثرت المعارك بين ابن الأحمر، وملوك النصارى، وأمراء الولايات اضطر ابن الأحمر إلى لقاء ملك قشتالة في معسكره وتقديم الطاعة له، وتأدية جزية له قدرها مائة وخمسون ألف قطعة من الذهب، واشترط ملك قشتالة على ابن الأحمر أن يعاونه في حروبه ضد أعدائه، وأن يحضر المجلس النيابي لقشتالة مثل سائر الأمراء التابعين للعرش.

هذه صفحة صغيرة ترينا كيف كان الأمراء يعبثون في وقت الجد، وكيف كان العداء بين بعض الأمراء المسلمين وبعض، يجعلهم يهرعون إلى ملوك النصارى يعاهدونهم، وينزلون لهم عن بعض أرضهم، ويؤدون لهم الجزية، والعدو يستخدم هذه المعاهدات والمخالفات في ضرب بعض المسلمين بعضا، ولم تقتصر هذه المأساة على فعل أمير واحد، بل قلد بعضهم بعضا، وسار من العادات المألوفة أن الأمير المسلم إذا اضطر لجأ إلى ملك من ملوك النصارى.

وحدث مرة أن تولى غرناطة الأمير إسماعيل من بني الأحمر، وانتصر في عدة مواقع، وسقط في يده كثير من المدن والقلاع. وكان من أكبر سبب نصرته استعمال الحديد والنار من آلات قاذفة، تشبه المدافع كانت تدك الحصون، وتوقع الناس فتوحات له متعاقبة، فلما عاد مرة من انتصار رائع قتل بباب قصره غيلة بعد ثلاثة أيام من رجوعه؛ قتله ابن عمه؛ لأنه اختلف معه على فتاة رائعة الحسن، كانت من السبايا في إحدى المواقع.

ثم حدث أن كان بلاط بني الأحمر في آخر أيامهم في أسوأ حالة، فمن ذلك أن أمير غرناطة وهو أبو الحسن تزوج بابنة عمه التي تسمى عائشة الحرة، وكان من أشجع الناس وأذكاهم، وظل معها زمنا طويلا، وولدت منه ولدين، أكبرهما أبو عبد الله وهو الذي سقطت الأندلس في عهده، والثاني أبو الحجاج يوسف، ولكن تزوج أبو الحسن هذا في آخر أيامه بفتاة جميلة نصرانية، اسمها ثريا، وكان اسمها النصراني إيزابيلا، كانت قد أسرت واتخذت مولاة في دار أبي الحسن، ثم تزوجها، وحظيت عنه، وفضلها على السيدة العجوز عائشة، وأولدها ولدين أيضا، وتدخلت في شئون الدولة، وعرفت بالدهاء وسعة الحيلة، ولا نستبعد أنها كانت جاسوسة على البيت الغرناطي المالك للنصارى المحاربين؛ حنانا إلى أصلها، وإن كنا لم نر نصا في ذلك. وأصبح البيت المالك بذلك قطعة من نار، الزوجة تكره ضرتها، وأولاد كل زوجة يعادون أولاد الزوجة الأخرى، وما لبثت غرناطة نفسها أن انقسمت انقسام البيت المالك، حتى أصبح أبو عبد الله يعادي أباه، ويعمل لمناهضته، وكذلك يفعل الأب، وكل يستنصر بملوك النصارى ليعاونوه على خصمه، فكيف بعد كل هذا الفساد تقوم مملكة؟

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٣٦