وجذع الشجرة هو الخلافة الأموية من عهد عبد الرحمن الداخل إلى سقوط الأمويين، ومجيء عصر الطوائف، والأمويون هم الذين وضعوا دعائم الدولة، ووضعوا لها نظما ثابتة، ساروا عليها حياتهم، من أهمها وحدة البلاد، فلا يصح لداخلي ولا خارجي أن يقتطع جزءا منها إلا ما يضطرون إليه بحكم الانهزام في الحرب. ولما استقلوا عن العباسيين حافظوا على استقلال البلاد من أي تدخل داخلي أو أجنبي، ثم كان أمامهم مطمح سعوا إليه، وهو أن تكون البلاد كلها مسلمة أولا، مالكية المذهب ثانيا. ثم لما كانوا من نسل الأمويين في الشرق، وكانت دعامة الأمويين في الشام، وعاصمتهم في الشرق دمشق، وكان عدد كبير من الفاتحين من الشاميين آثروا نقل التقاليد الشامية إلى الأندلس، وهي تخالف التقاليد العراقية، والتقاليد المصرية، والمدينية، وغيرها.
وقد مجدوا هذه التقاليد، حتى عرف أن من أراد الخروج عليهم خرج عليها، كما يفعل الخارجون على بني العباس بلبس البياض؛ ولذلك رأينا خارجين عليهم يتخذون علامة خروجهم الخروج من مذهب مالك، أو الانضمام إلى العباسيين، أو محاولة الاستقلال، أو نحو ذلك. وكان من أمجد أعمالهم اتجاههم نحو الثقافة، فعبد الرحمن الناصر مثلا وضع فكرة انتداب العلماء من المشرق، والحكم ابنه وضع فكرة إنشاء مكتبة عظيمة في الأندلس، وغيرهما وضع فكرة تشجيع العلماء وتقديرهم، وهكذا؛ ولذلك إذا أرخنا الحياة الفكرية في الأندلس وجب أن نسند الفضل الأكبر إلى الأمويين، فالحق أن ازدهار العلم أيام ملوك الطوائف يرجع إلى سببين هامين: (1)
أن البذرة الأولى التي وضعها الأمويون نضجت فيما بعد في عهد الطوائف. (2)
أن انقسام الدولة في عهد ملوك الطوائف جعل الأمراء يتنافسون على تزيين إماراتهم بالعلم والأدب، كالذي حدث في المشرق عند انقسام الدولة العباسية بين طولونية، وفاطمية، وحمدانية وغيرها. فهذان العاملان أكبر ما رأينا في تنشيط الحركة العلمية في الأندلس، ولعل أصدق شاهد على ذلك نبوغ ابن حزم وابن شهيد في أواخر عهد الأمويين، وأوائل الدولة العامرية، فالذي يستحق فضل ظهورهما هم الأمويون، وكلاهما معروف أنه كان له ميول أموية، وإن ازدهر آخر وقته في عهد العامريين.
أما فروع الشجرة فنجدها عند ملوك الطوائف، فقد كان جذر الشجرة قد تأسس ولم يبق إلا عامل عرضي، وهو تشجيع الملوك للحركة الثقافية، فهؤلاء أمراء يميلون للأدب، كبني الأفطس، فتزدهر الآداب في عهدهم، وهؤلاء يميلون إلى الاجتهاد وحرية الفكر وحب الفلسفة فيزدهر ذلك عندهم، وهؤلاء يميلون إلى الفقه فيزدهر الفقه، كبني جهور. وبذرة هذه الشجرة دخول الفاتحين، وحكم الولاة من قبل الأمويين والعباسيين من سنة 92 إلى سنة 138ه، ثم تولاها ملوك أمويون من سنة 138 إلى سنة 424ه، ثم تولاها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم بنو عباد في إشبيلية، وبنو جهور في قرطبة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو نصر في غرناطة، وبنو ذي النون في طليطلة، وظلت ملوك الطوائف هذه تسقط واحدة بعد أخرى، وكان آخرها سقوط غرناطة، وانتهاء الأندلس سنة 898ه.
وقد توقع بعض المؤرخين والفقهاء سقوط الأندلس، لما رأى أن النصارى يزدادون قوة وتوحدا، والمسلمين يزدادون ضعفا وتفرقا، حتى إن ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير توقع سقوط الأندلس من عهد بعيد، فإنه لما رأى سقوط بربشتر في يد النصارى في سنة 456ه قال: «وقد استشففنا
12
بشرح هذه الحالة الفادحة، مصائب جمة، مؤذنة بوشك القلعة
13 ...» ولما سقطت طليطلة قال شاعرهم:
يا أهل أندلس شدوا رواحلكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثورا من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه
كيف الحياة مع الحيات في سفط
وقد ساعد الإسبان دعوتهم النصرانية الواسعة وحماستهم الدينية لطرد المسلمين أعدائهم في الدين، واعتبارهم المسلمين دخلاء على البلاد يجب طردهم منها، وإعادتها كما كانت. أما من ناحية المسلمين، فكانوا على العكس من ذلك متخاذلين، ينظر كل أمير إلى شخصه، لا إلى المصلحة العامة، ولعلنا نستطيع أن نعرض على القارئ صفحة من مظاهر هذا: