تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وفي عهد دولة الموحدين هذه ظهر ابن طفيل وابن رشد الفيلسوفان الكبيران، ولكن دولة الموحدين التي انتظمت الأندلس والمغرب إلى تخوم مصر، واتسعت اتساعا لم يكن له نظير من قبل أصابها الانحلال، وانغمس خلفاؤها في الترف، بينما كان الإسبان يقوون شيئا فشيئا، ويتسلطون على البلاد شيئا فشيئا. وأعقب المرابطين والموحدين في السيادة على غرناطة (بنو نصر) ويسمون بني الأحمر، وكان أجداد بني الأحمر هؤلاء من قبل ملوكا على سرقسطة، فتصدروا بعد خروج الموحدين لجهاد الإسبانيين، ولم يكونوا يقاومون النصارى وحدهم، بل كانوا يقاوموا أيضا بعض الملوك المسلمين الذين يهاجموهم، حتى اضطروا أخيرا إلى أن يكونوا في حماية فردينند الثالث ملك قشتالة. وازدهرت العلوم والآداب في عهد بني الأحمر، ومن أشهر رجالهم، وأكبر أدبائهم «لسان الدين بن الخطيب» الذي ألف فيه المقري نفح الطيب، وكان ابن الخطيب وزيرا لأحد ملوك بني الأحمر، وقد ألف كتبا كثيرة، وهو الذي كانت بينه وبين ابن خلدون مكاتبات وصداقة، عكرها التنافس بينهما؛ إذ كان ابن خلدون قد سفر لبني الأحمر إلى صاحب قشتالة ونجح في سفارته، فلما أحس بتغير قلب ابن الخطيب هاجر ابن خلدون إلى إفريقيا ثم مصر. هذا إلى غير ابن الخطيب من العلماء والخطباء.

ثم كان من مفاخر بني الأحمر ظهور النابغتين المشهورين وهما: ابن بطوطة، وابن جبير. فابن جبير أبحر من جزيرة طريف إلى الإسكندرية ومكة، ولما فرغ من حجه انقلب إلى العراق، فالموصل، فحلب، فدمشق، فعكه؛ ومن ثم ركب البحر إلى صقلية، وكان في القاهرة أيام صلاح الدين، فوصف ما شاهده وصفا دقيقا، وكان من توفيق الله له أن طاف هذه البلاد والحضارة الإسلامية في أشد ازدهارها، فوصفه بحق يعد وصفا دقيقا للحضارة الإسلامية في عهدها.

وابن بطوطة رحل، واستغرقت رحلته نحوا من خمس وعشرين سنة، وطاف في أمصار فارس، وآسيا الصغرى، وشبه جزيرة القرم، ثم القسطنطينية، ثم الهند، وشغل سنين منصب قاض في دلهي، ووفق بعد إلى رحلة أخرى إلى الصين، فزار سوتنج وكانتون، ثم قفل إلى جزيرة العرب من طريق سومطرا، حتى بلغ فارس، ثم رحل رحلة أخرى إلى بلاد الزنوج، واستقر بعدها في مراكش، وربما عد زعيم الرحالين إذ لم يبلغ أحد مبلغه.

وبعد أن ازدهر بنو الأحمر في حروبهم وعلومهم وفنونهم، عدا عليهم الزمان، فأنزل أواخرهم من عروشهم، وأفقدهم سلطانهم، وماتوا في حسرة على عزهم، وسطوتهم، وأبهتهم، وعظمتهم، وكانوا آخر من ملك بالأندلس. وذلك أنه لما فتح المسلمون الأندلس، تركوا جزءا منها في الشمال، في جبال البرانس، وكان جزءا وعرا، يسكنه بعض النصارى البدو الأجلاف، فتركهم المسلمون، ولم يعبئوا بهم، ولكن ظلوا يقوون شيئا فشيئا، واستطاع هذا العدد القليل أن يضم حوله كثيرا من نصارى إسبانيا، وفرنسا، وغيرهما، وكانوا يحمسونهم بإثارة العاطفة الدينية، فكانوا شوكة دائما في جنب المسلمين، يخرجون عليهم من حين لآخر، وكانوا ينكمشون إذا أحسوا من الأمير الأندلسي قوة، كعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، أما إذا شموا أية رائحة ضعف، فإنهم يعيثون في الأرض فسادا، وظلوا يقوون شيئا فشيئا، والمسلمون يضعفون شيئا فشيئا بتخاذلهم، وكل يوم تسقط في أيديهم إحدى المدن، حتى وقعت الأندلس كلها في قبضة أيديهم . فهذا القسم الصغير الذي تركه المسلمون في الشمال استصغارا لشأنه، ووعورة مسلكه، جر على المسلمين فيما بعد الوبال.

فالدولة الأندلسية كانت أشبه ما تكون بشجرة مقلوبة فروعها في الأرض، وجذورها في السماء، فجذورها أول ما عرفت الأندلس المسلمين هم الجنود والولاة الذين كان يرسلهم الخلفاء الأمويون من بعد الفتح إلى دخول عبد الرحمن، وذلك من سنة 92 إلى سنة 138ه. وفي هذه الفترة لم يكن تقررت في الأندلس قواعد الملك، ولا ثبتت جذوره، ولا وضع للثقافة منهج معروف، بل كانت نتفا هنا أو هناك. وكانت تكثر الخلافات بين العرب أنفسهم من يمنية ومضرية، وبين العرب والبربر من ناحية، والمولدين من ناحية أخرى؛ ولذلك كانت الإمارة مقلقة مضطربة.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٣٤