تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما ضعف شأن أمراء الأندلس بتفرقهم، وكثرة حروبهم، وغلبة النصارى عليهم، استنجدوا بأهل المغرب، فأولا: استنجدوا بالمرابطين فكان في المغرب قبيلة اسمها «لمتونة» إحدى قبائل صنهاجة، وهي قبيلة ضاربة في الجنوب، حتى بلاد السنغال، ومسيطرة على الشعوب الزنجية المجاورة، حتى آل أمر هذه القبيلة «ليوسف بن تاشفين»، فلما استدعي لمعاونة الأندلسيين عدى البحر بجنوده، وصار إلى إشبيلية، فحارب الإسبان وغلبهم، وتغلب على أكثر بلاد الأندلس، حتى لقد عزل الملوك المسلمين لضعفهم، وعدم قدرتهم على الدفاع عن بلادهم. وكان يوسف بن تاشفين ذا نزعة دينية تخالف نزعة الغزالي، وكره منه إفراطه في الدعوة إلى محاسبة النفس، فأصدر قاضي قرطبة وزملاؤه فتوى بأن الغزالي مبتدع زنديق، وعلى ذلك أحرقوا كتابه «إحياء علوم الدين» في قرطبة على مرأى من الشعب، وفرضت عقوبة الإعدام على كل من يقرؤه، واضطهدوا اليهود حتى فر كثير منهم، ودعوا إلى تفسير جميع الآيات المجسمة للذات العلية، كوجه ربك، ويداه مبسوطتان، تفسيرا حرفيا، وسفهوا رأي المعتزلة في تأويل كل هذه الآيات.

ثم حدث أن رحل إلى بغداد رجل اسمه «محمد بن تومرت» من قبيلة (مصمودة) البربرية، ومن أبناء جبل السوس في الجنوب الغربي من مراكش، بعد أن قضى مدة في قرطبة، شهد فيها إحراق كتب الغزالي، وقرأ فيها كتب ابن حزم، وفي بغداد وقف على تعاليم الأشعري واعتنقها، فلما رجع إلى المغرب، أعلن حربا شعواء على مذهب المرابطين في التجسيم، ودعا إلى التأويل والتنزيه، وقد عرف أتباعه بالموحدين، كما عرف أتباع يوسف بن تاشفين بالمرابطين. واستولى هو على الأندلس، ونشر تعاليمه بين أفرادها.

قال في المعجب: «وفي عهد المرابطين عظم أمر الفقهاء؛ لأن أمراءهم لم يكونوا يقطعون أمرا، ولا يبتون في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامهم مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس ... فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

أهل الرياء لبستمو ناموسكم

كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتم الدنيا بمذهب مالك

وقسمتم الأموال بابن القاسم

وركبتم شهب الدواب بأشهب

وبأصبغ صبغت لكم في العالم»

7

وفيه أيضا: «أن الفقهاء قرروا في مجالس أمراء الموحدين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة من الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، وكتبوا إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب الغزالي المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها».

8 «ثم اختلت أحوالهم اختلالا شديدا، فظهرت في البلاد مناكير كثيرة، واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة مشتملة على كل مفسد وشرير، وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور. وأمير المسلمين في ذلك يتزيد تغافله، ويقوى ضعفه، ويقنع باسم إمرة المسلمين».

9 «ولما رأى أعيان بلاد الأندلس ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، أخرجوا من كان عندهم من الولاة، وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى، وقام بغرب الأندلس دعاة فتن واستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة»،

10

فكان ذلك سببا في دخول الموحدين، وحلولهم محل المرابطين، وكان زعيم الموحدين محمد بن تومرت، وفي أيامه انتشر الصالحون والمتبتلون وأهل علم الحديث فقامت لهم سوق ... وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب ... فأحرق منها جملة في سائر البلاد. قال صاحب المعجب: «وقد شهدت ذلك وأنا بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الأشغال بعلم الرأي، والخوض في شيء منه، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من علماء المدينة بجمع أحاديث من المصنفات المشهورة في الأحاديث، كالبخاري ومسلم، فجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه».

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٣٣