والتاريخ كل يوم يبين سلسلة من الأحداث يتشابه نتاجها مع نتاج العرب، ولا يجعل مجالا للشك في أن أصولها مستمدة من العرب، في اللاهوت، وفي القصص، وفي الطبيعة، والكيمياء، وفي الرياضة والهندسة، وغير ذلك. والعصبية الأوربية تحول كثيرا بين الاعتراف بالحق، ولكن التاريخ كفيل بكشف الحقيقة.
وكانت المدة الطويلة التي عاشتها الحضارة الأندلسية، إذ بلغت ثمانية قرون كفيلة بقوة الاحتكاك بين الشرق والغرب، واستفادة الغرب منها. هذا مع ما عرف عن الأندلسيين من نزاع شديد على الخلافة وغيرها، وكثرة الثورات، والثوار، ولو أنه أتيح لها الاستقرار، وقل هجوم الإسبانيين عليها كل حين، وخروجهم هم على أنفسهم لأتت بأضعاف ما أتت، واستفاد العالم من حضارتها أضعاف ما استفاد، ولكن لله في خلقه شئون.
وفي الحق أن الأندلسيين كالمشرقيين أنتجوا في الأدب أكثر مما أنتجوا في العلوم، سواء النثر أو الشعر، وأكثروا من وصف الحياة الاجتماعية، وما تستدعيه مجالس اللهو والغناء والشراب، والعلاقة بالنساء، والحروب، والقول في ألم الفراق، والرقص، والراقصات، والمناظر الطبيعية، والملاحم في تاريخ الأندلس، وغير ذلك؛ ولكل هذا مع ما عرف من طبيعة العرب من كثرة القول وطواعية اللسان، مما جعلهم ينتجون من الأدب أكثر مما ينتجون في العلوم الرياضية والطبيعية، وتقرأ تراجم علمائهم فترى كأن كل عالم شاعر، حتى الفلاسفة والفقهاء. والطبيعة العربية في الأندلس كالطبيعة العربية في المشرق، ما هو إلا أن يتجه الذهن إلى شيء، حتى يدر القول، وينساب الكلام.
ولقد كانت واقعة «شارل مارتل» وقعة فاصلة بين المسلمين في الأندلس، والنصارى في أوربا. إذ لولا هزيمة المسلمين لتقدموا حتى فتحوا أوربا كلها، واستفاد الفاتحون مما يرون من أخلاق وعادات وفنون، ولاستفاد الأوربيون من دين العرب ولغتهم وعلمهم، ولكان العالم أشبه ما يكون بوحدة، ولكن شاء الله أن يقفوا عند هذا الحد؛ ورأى النصارى تمجيد «شارل مارتل»؛ لأنه حماهم من غزو العرب، واعتقدوا أنه لو غلبهم المسلمون لما كانت نهضتهم، ولا استقلالهم، ولا علمهم، ولا فنهم.
ومن يدرينا؟ فالعالم كله ليس يتسع لسلطة واحدة، ولا لجنس واحد، واختلاف الناس إلى أجناس وشعوب وأديان يجعل الاحتكاك أتم، والصراع أشد، والتسابق إلى الفضائل أقوى. ومن كل ذلك يكسب العالم رقيا وتقدما، ألا ترى أن الحروب على شدتها وويلاتها وكوارثها تسفر آخر الأمر عن تقدم عظيم في العلوم والفنون، كما أسفرت الحرب الأخيرة عن تقدم في الطيران، والعقاقير الطبية، والعمليات الجراحية، والشئون الاقتصادية، بل وفي كل مرفق من مرافق الحياة. والتجارب علمتنا أن ليس هناك خير محض، ولا شر محض، وأن الشر الكثير قد يأتي بخير كثير.
ولما تقسمت الدولة الأندلسية إلى طوائف، كانت ملوك كل مدينة تزهى بالعلماء، وتقربهم، وتعتقد أنهم أحسن دعاية لهم؛ وقد ساعد على ذلك أن البلاغة، وإتقان الأدب، كانا أيضا وسيلة للوزارة، كذلك كان الخلفاء في الأندلس في حاجة شديدة إلى الطب والتنجيم، فقربوا الأطباء والمنجمين، وكان الطب والتنجيم المدخل إلى الفلسفة.
واشترك اليهود في الحياة الثقافية مشاركة فعالة، وكانوا منبثين في طول البلاد وعرضها، ومنهم من اشتغل بالطب، ومنهم من أمسك مالية الدولة مثل «حسداي بن شبروط» الذي كان يسيطر على مالية الدولة في عهد عبد الرحمن الناصر، ومنهم من ارتقى إلى منزلة الوزارة مثل «إسماعيل بن نغزلة» في ظل الأمير البربري «حبوس» في غرناطة، وكان لليهود تأثير كبير في مساعدة بعض الأمراء، وخذل بعضهم.
وأحيانا يضيق المسلمون ذرعا بسوء تصرفهم، وتعسفهم، فيضطهدونهم، وينكلون بهم.
وكانت المملكة الإسلامية بالنسبة للعلماء والرحالين كرقعة شطرنج، يذهبون فيها ويجيئون من غير مراقبة أو تشديد؛ لذلك سرعان ما رأينا علماء من المشرق يذهبون إلى الأندلس، وعلماء من الأندلس يذهبون إلى المشرق، وهم لا يستقرون على حال واحدة وهم كلما حلوا في بلدة استفادوا وأفادوا؛ ولذلك تجد في تراجم كثير من العلماء الرحلة من هنا إلى هناك، وبالعكس.