وعلى كل حال، فهذا يدل على تأثير الإسبانيات في أزواجهن من الأمراء، فكيف بمن دونهم؟ ومن الأدلة على ذلك ما حكي عن عبد الرحمن الناصر أنه بنى الزهراء على اسم حظية له، وأنفق فيها أموالا لا تحصى، وتفنن فيها ما شاء أن يتفنن، وقالوا: إن المعتمد بن عباد تلقب بهذا اللقب من أجل جارية له إسبانية الأصل كانت تسمى اعتماد.
وقد حكى عبد الواحد المراكشي في كتابه «المعجب» أنه كان بمدينة قرطبة نحو 150 امرأة تكتب القرآن بالخط الكوفي، فكيف بغيرها ؟
وكما عني الأندلسيون بالعلوم عنوا أيضا بالفنون؛ ولقربهم من الفنون الإيطالية، والفنون الإسبانية والفرنسية، طبعت عمارتهم بطابع خاص غير طابع الفنون المشرقية. وآثارهم الباقية في جميع مدن الأندلس تدل على عظمة ذوقهم، في قرطبة، وغرناطة، وطليطلة، وغيرها. وقد بنى عبد الرحمن الناصر لجاريته الزهراء مدينة سماها كما ذكرنا باسمها، وجعلها متنزها ومسكنا له ولحاشيته، ونقش صورتها على الباب، وكان الأندلسيون يجلبون الصور والتماثيل من البلاد الأخرى كالقسطنطينية، وقلدوا بعض النقوش التي رأوها في كنائس إسبانيا وصقلية، وروى بعض المؤرخين أن ثلاثة أعمدة في مسجد قرطبة كانت عليها نقوش وصور، كان على أحدها صورة عصا موسى، وعلى الثاني صورة أهل الكهف، وعلى الثالث غراب نوح، وأكثروا من عمل الآنية والأثاث، ورسم الأشكال الهندسية العجيبة على الأبواب، وفي السقوف، مما لا تزال آثاره باقية حتى اليوم، مع تفننهم العظيم في الموسيقى، والغناء، وربما كان الفضل الأول في ذلك لزرياب الذي قدم من المشرق سنة (206ه)، فأجزل الخليفة عبد الرحمن بن الحكم العطاء له، وأسكنه، وأجرى عليه في كل شهر مائة دينار، وعلى من حضر معه عشرين دينارا لكل شخص. وقد زاد زرياب في العود وترا خامسا، وكان يحفظ الأصوات التي قبله، فقالوا: إنه كان يحفظ عشرة آلاف صوت، وكان له جارية اسمها متعة، أدبها وعلمها، فصارت تحسن أغانيه، ومن رغبته الشديدة في الغناء والأصوات أنه كان يحلم بالصوت، وكيفية توقيعه، فكان يقوم في الليل بعد أحلامه يسمعها لجواريه، حتى إذا حفظنها نام، ولم يكتف بتعليم الغناء، بل كان له حظ عظيم من آداب اللياقة في مأكله وملبسه وعوائده، بثها في الأندلسيين، وأعجبوا بها حتى قلدوها، وإلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في الشرق ويسمونه «زلابيا»، والغالب أنه تحريف عن «زريابيا»، وقد عرف عنه أنه كان يقيم الولائم العظيمة يتفنن في ترتيبها، وكان ذاك كله هو النواة الأولى في فخامة قصور الأمراء الأندلسيين وبيوت الأغنياء وأناقتهم.
وكان زرياب إلى ذلك كله مثقفا ثقافة واسعة، فهو عالم في النجوم والجغرافيا والطبيعة والسياسة، وكان له خصوم أقوياء خصوصا من الفقهاء، وكان من خصومه المقتدر بن يحيى الغزال، فقد هجاه هجاء مقذعا، فنفاه عبد الرحمن الأوسط إلى العراق، ولولا أن خلفاء زمانه أخذوا بيده ونصروه على خصومه لذهب ضحيتهم. ولرقة عواطف الأندلسيين أغرموا بالغزل، واستعانوا عليه بالموسيقى، والغناء والرقص، فكنت تسمع في كثير من الأحياء حين تمر بالليل صوت الغناء والموسيقى في كثير من البيوت.
وكثر بجانب مجالس الغناء مجالس الأدب، وربما حضرها النساء أيضا ... قال بعضهم يصف مجلسا:
وفتية كالنجوم حسنا
كلهم شاعر نبيل
منفذ الجانبين ماض
كأنه الصارم الثقيل
في مجلسه زانه التصابي
وطاردت وصفه العقول
ومن أعجب العجب ما رووه في صنعة الأندلسيين وفنهم عن عباس بن فرناس، فقد اخترع فن الطيران، وقالوا: إنه عمل آلة لها جناحان، فطار بها مسافة لا بأس بها، وسقط عند النزول؛ لأنه لم يحسن تصميم الذيل عند النزول.
وقد أثرت الأندلس في العالم الأوربي بعلومها وفنونها أكثر مما أثر المشرق؛ لأنها قريبة من أوربا؛ ولأنه كان يقصدها كثير من الأوربيين، فيتثقفون على العرب، ويتعلمون منهم، ويشاهدون حركاتهم، ويقلدونها في بلادهم. وكان كثير من اليهود يتعلمون العربية والعلوم والآداب وينقلونها إلى أوساط أخرى؛ ولأن الأندلسيين غزوا جنوب فرنسا، وفتحوه إلى بلدة «بواتييه»، والأفكار سريعة الانتقال سرعة البرق، فلو قلنا: إن الحضارة الأوربية طارت من على أكتاف الحضارة الإسلامية، وخاصة الأندلس، لم نكن بعيدين عن الصواب.