وقد تأثر الأندلسيون بمذهب مالك في الشدة والعصبية، ووقاهم الله ما كان في العراق وغيره من البلاد المشرقية في الخلاف المذهبي، كالذي كان بين الشافعية والحنفية، والذي كان بين الشافعية والحنابلة. وربما كان هذا أيضا سببا في قلة الفرق الدينية، فلم يكن بين الأندلسيين ما كان لأهل العراق من مذاهب مختلفة في العقائد كشيعة وخوارج، وغير ذلك، والسبب الأول في هذا أن العراق كان حتى قبل الإسلام مملوءا بالمذاهب المختلفة؛ كالمزدكية، والزرادشتية، ومذاهب الهنود في التناسخ ونحوه. فلما جاء الإسلام واستقر في العراق ظهرت هذه المذاهب بلونها الأصلي أو بلون معدل، وتفرق من أجلها الناس إلى فرق كثيرة، ولعل من أسباب عدم ظهورها أيضا في الأندلس اتحادهم في اعتناق مذهب مالك، وهو مذهب سني يعتمد على الحديث، فلا حاجة للأمة التي تعتنقه إلى اعتناق غيره. نعم إنه ظهر في الأندلس بعض الناس يعتنقون الاعتزال، وبعضهم يتشيعون، وبعضهم يعتنق مذهب الظاهرية، ولكن كان كل هؤلاء قليلين بالنسبة لمن يعتنق مذهب مالك.
وكانت نساؤهم على العموم أشبه بنساء المشرق أكثرهن أميات، وفيهن الجواري اللائي يحسن الغناء والموسيقى، ويبعن بعد أن يتعلمن بأثمان غالية.
وكان يغلب على الحرائر من النساء الحجاب، كأهل المشرق، بل ربما كان حجابهن أعنف، ولكن يتسامح في الحجاب مع الإماء والسراري؛ ولذلك لما سفرت ولادة بنت المستكفي وجلست في مجلس الرجال، وشاركت في الشعر والأدب، وكانت أرستقراطية من البيت المالك، قوبل سفورها بشيء من الاستغراب، وما حدث في المشرق حدث نظيره في المغرب، فقد رحلت إلى الأندلس فرقة من الجواري المشرقيات اللائي أخذن من إبراهيم الموصلي، واتخذن إمامهن زريابا الذي سبقهن إلى الأندلس، فكون نواة لمجالس الغناء في الأندلس، وعلمن الفتيات الأندلسيات الغناء والموسيقى والرقص، كما علم أبو علي القالي اللغة والنحو؛ ولذلك لم يخل عصر من عصور الأندلس فيما بعد من مغنيات أندلسيات وموسيقيات، وراقصات، وكان هذا يشبه أن يكون تقليدا في البيوت الأرستقراطية، وحتى في بيوت الأوساط، وتدل الحكايات الكثيرة الأندلسية على أن الأندلسيين كانوا شغوفين بالسماع، حتى ليفضلون الضروري من العيش مع السماع، على العيش المترف مع الحرمان.
وكانت البيوت الأندلسية حتى القصور الملكية مملوءة بالحرائر والإماء من الإسبانيات وغيرهن، والبيت يتعدد فيه الأولاد من هؤلاء وهؤلاء، والبيوت مملوءة بالحقد والنزاع بين الأحرار والإماء، ثم يسري ذلك إلى أولادهن، بل كثيرا ما تدخلت النساء في السياسة، فكان أهلهن إسبانيات مسيحيات، وتظاهرن بحب العروبة والإسلام، ولكنهن في الحقيقة لم ينسين نصرانيتهن، ولا إسبانيتهن، فكان بعضهن جاسوسات على الخلفاء، ينقلن لقومهن دقائق الأمور، ويوقعن المسلمين في أشد أنواع الحرج.
وهن كالمشرقيات نبغ منهن عدد محصور في الأدب، مثل ولادة مع ابن زيدون، وأم الكرام بنت المعتصم، وحفصة بنت الحاج، واعتماد جارية المعتمد، ونحوهن، فكان يعد في كل مدينة أندلسية أديبات مشهورات، يعددن شذوذا في الحياة الاجتماعية العامة.
وبلغ من تأثيرهن أن قال بعض مؤرخي الإفرنج: إن عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي استخلفه أبوه على الأندلس، قد تنصر من أجل امرأة، ولكن الذي ذكره مؤرخو العرب يدل على أن عبد العزيز لم يتنصر، وبعيد ذلك حقا؛ لأن واليا كبيرا وابن فاتح عظيم يبعد أن يغير دينه من أجل امرأة. وقد اشتهر المسلمون بالأندلس بعصبيتهم لدينهم، وصعوبة تحولهم إلى غيره، وهذا في العامة فضلا عن الخاصة، والذي ذكره المسلمون أن عبد العزيز تزوج زوجة الأمير لذريق، وهو الذي فتح العرب في أيامه بلاد الأندلس، وقد صالحت على نفسها، وأقامت على دينها إلى أن تزوجها عبد العزيز، فتمكنت منه تمكنا كبيرا، وتكنت بأم عاصم. ويقال: إنه سكن معها في كنيسة بإشبيلية، وهذا بعيد أيضا. ويقال: إنها قالت له: لم لا يسجد لك أهل مملكتك، كما كان يسجد للذريق أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام في ديننا. فلم تقتنع منه بذلك، وفهم أنه إن لم يفعل ذلك نزل قدره عندها، مع أنه يحبها حبا جما، فاتخذ بابا صغيرا قبالة مجلسه، فإذا دخل عليه الناس اضطروا إلى الانحناء، وأفهمها أن ذلك كالسجود، ويقال: إنها قالت له: إن الملوك إذا لم يتوجوا فلا ملك لهم، فهل أعمل لك ما بقي عني من الجواهر والذهب تاجا؟ فقال لها: ليس هذا في ديننا. فقالت له: من أين يعرف أهل بيتك ما أنت عليه في خلوتك؟ فلم تزل به حتى فعل فرآه خلسة ومصادفة بعض الجند، فقالوا: تنصر. ثم هجموا عليه فقتلوه.