وربما كان الأدب مع تأثره أيضا بالأدب المشرقي أميز من سائر العلوم في الابتكار؛ لأن الأدب يتأثر بالعواطف الشخصية، والحوادث المحلية أكثر من تأثر العلم، ولكن حتى هذا مع الأسف كان الاختلاف فيه في الشكل لا في الجوهر، مثل شكل الموشحات، واللعب بالتشبيهات، أما موضوعات شعرية أو نثرية لم تعرف عند المشرقيين، فهذا لم نره، وشأن العلم الأندلسي في ذلك شأن العلم والأدب في مصر، والمغرب، والشام، فكلها قلدت العراق في علمه، وأدبه؛ حتى إنه لما عهد إلينا تدريس الأدب المصري في الجامعة، صرفنا زمنا طويلا في تعرف الشخصية المصرية الأدبية، وما تمتاز به عن غيرها من الآداب. فلم نعثر إلا بعد جهد، ولم نعثر بعد الجهد إلا على القليل. فإن قلت: إن العلم الإسلامي سار في طريق واحدة، وأهمل البيئات المختلفة لم تبعد عن الصواب؛ وربما كان السبب في ذلك أن الحياة الدينية من فقه وتفسير وحديث اعتمدت على القرآن، فكان طبيعيا وقد اتحد المصدر، أن تتحد النتيجة أو تتقارب، فإذا وصلنا إلى العلوم الدخيلة من فلسفة، وطب وتنجيم، وطبيعة، وكيمياء، وإلهيات، رأينا أنها اعتمدت هي الأخرى في الأندلس على الفلسفة اليونانية، والتعاليم الهندية، وما إلى ذلك، إما عن الترجمات اليونانية إلى العربية مباشرة، وإما عن طريق ما ترجمه المشارقة، فاتحدت النتيجة في العلوم الدخيلة أيضا، ولو كانت الأصول التي اعتمد عليها مختلفة لاختلفت النتائج.
ثم كان من أسباب هذا الاتحاد أن العالم الإسلامي كله كان معتبرا دارا واحدة، فالعالم كله كما قال الفقهاء: «دار حرب ودار إسلام»، ودار الإسلام كلها مشرقا ومغربا معتبرة وطنا واحدا للعلماء، فإذا رحل الأندلسيون إلى المشرق، أو رحل المشارقة إلى الأندلس فإنما يرحلون في دارهم، وتحت جو واحد مشبع بالروح الإسلامية. وسواء من دخل من الفرس والهند في الإسلام، ومن دخل من الإسبان في الإسلام، فهم إنما يستنشقون هواء إسلاميا واحدا، ويتكونون تحت تأثير لغة عربية واحدة.
إن العلماء المحدثين يجعلون أكبر المؤثرات في تكوين الأمم دينها ولغتها، ونظامها الاجتماعي الاقتصادي، وكانت هذه كلها في العالم الإسلامي متقاربة، فلا بد أن تكون الحياة العقلية والعلمية والنفسية متقاربة. وتعجبني حكاية قرأتها أن الغزال الشاعر الأندلسي، والسفير الأندلسي لدى بعض الأمم الأجنبية، لما رحل إلى العراق، وأسمع العراقيين شعره، فضلوا عليه شاعرهم أبا نواس مع أنهم فهموه حق الفهم، ولكنهم قالوا: إنه وأمثاله من الأندلسيين لم يبلغوا في الشعر مبلغ أبي نواس فرد عليهم، وفي يوم من الأيام أتاهم بقطعة من شعره، وقد نسبها إلى أبي نواس، فاستحسنوها، فقال لهم: إنما هي لي.
6
فهذه قصة تدل على تعصب كل من المشارقة والمغاربة لشعره، كما تدل على أن ما يقوله الأندلسي يفهمه المشرقي ويتذوقه، وما ينسب إلى المغربي قد ينسب إلى المشرقي فتجوز نسبته.
وما دام المؤذنون يؤذنون في المساجد بألفاظ واحدة، فالصدى يكون واحدا، وكذلك العلم والأدب.
وقد كان الأندلسيون يدينون بمذهب الأوزاعي، متأثرين في ذلك بالشاميين الذين كانوا في الجند الذي فتح الأندلس، إذ كان الأوزاعي بيروتيا، وكان إماما كبيرا، وفقيها معدودا، ثم انتقلوا إلى مذهب الإمام مالك كما ذكرنا، ويظهر أن السبب في ذلك أمور: (1)
أن مذهب مالك أقرب لمزاجهم، فهو يعتمد على الحديث وعلى إجماع أهل المدينة، أكثر مما يعتمد على القياس والعقل وهذا المنهج أكثر ملاءمة وأوفق لعقلية الأندلسيين. (2)
أن رجالا عظاما كيحيى بن يحيى الليثي الذي ذكرناه من قبل تتلمذ لمالك في المدينة، وأخذ عنه، ومنحه الله من القوة والسلطان ما مكنه من نشر مذهب مالك، وعهد إليه في اختيار القضاة فكان يختارهم على مذهبه.