على كل حال، كانت الأندلس والمشرق أشبه برقعة واحدة يسير فيها النمل ذهابا وجيئة، وتتقابل النمال فتتسار، علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة فيرحلون إلى الغرب، وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق، منهم من تقصر رحلته، فيكتفي بالرحلة إلى المغرب، فإذا زاد شيئا رحل إلى مصر، ومنهم من له جرأة ومقدرة على الرحلة الطويلة، فيرحلون إلى المغرب، ومصر، والشام، والعراق وما إلى ذلك، وهؤلاء الرحالون كانوا يتبحرون في علوم مختلفة، فمنهم من يقصد في رحلته الفقه، والتفسير، والحديث، والقراءات وهم العدد الكثير، أمثال عبد الملك بن حبيب السلمي، وقد كان فقيها مشهورا، رحل إلى المشرق وجمع من الأحاديث ما شاء الله أن يجمع، وطوف في البلاد ما شاء الله أن يطوف، ثم عاد وألف نحو ألف كتاب، وسمي عالم الأندلس، وكان علمه بحرا يزخر، وألف في الفقه كتابا مشهورا اسمه «الواضحة»، وربما قورن بيحيى بن يحيى الليثي الذي مر ذكره؛ ومثل القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى، ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وكان يتغنى بالعراق، إذ حمد المقام به أيام طلبه للعلم؛ ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وقد وقف وقفة مشهورة، وهي وقفته أمام عبد الرحمن الناصر، لما أراد أن يشتري بيتا لأيتام ليوسع به قصره، فما زال يمانعه، حتى دفع فيه الناصر مبلغا كبيرا؛ وكالقاضي أبي بكر بن العربي، وبقي بن مخلد، وقاسم بن أصبغ.
ومنهم من طلب الفقه والكلام، كابن حزم العالم المشهور، ويرجح بعض المستشرقين أن أصله من جهة الأم إسباني، وقد كان واسع العلم، غلب عليه المذهب الظاهري، فكان يدعو إليه ويدافع عنه، وله في الكلام باع واسع، ونفس طويل في الجدل، وكان أرستقراطي الأصل، إذ كان أبوه وزيرا، وكان هو نفسه وزيرا فلم يعبأ بذلك، ولم يعبأ بالاضطهاد ممن اضطهده، ولا بنفيه، ويقولون: إنه خلف نحو أربعمائة مؤلف. ولما أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية قال:
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
وكان إلى علمه في الفقه والكلام أديبا، قوي العاطفة، حسن التعبير عما في نفسه كالذي يدل عليه كتابه «طوق الحمامة».
ومنهم من رحل يطلب الأخلاق، وعلم السياسة، كابن أبي رندقة الطرطوشي، صاحب كتاب «سراج الملوك»، ومنهم من رحل في طلب الأدب كالشريشي وابن عبد ربه صاحب العقد، ومنهم من رحل للتبحر في النحو والصرف كابن مالك صاحب الألفية، ومنهم من رحل للتصوف كمحيي الدين بن عربي، وأبي العباس المرسي، وياقوت العرشي، ومنهم من رحل لطلب الفلسفة والعلوم الدخيلة كابن زهر.
وبعض هؤلاء الرحالين استقر في البلد الذي رحل إليه، فقد أعجبه فلم يعد إلى بلاده، ولكن الأكثر عاد إلى بلاده، وتحلى بصفة المعلم، ووضعوا أيديهم في أيدي من رحل إليهم من المشرق، وكونوا مدرسة واسعة، حدودها حدود الأندلس، فأخذوا يدرسون، ويؤلفون، ويترجمون، وكانت هذه هي النواة الأولى التي أنتجت العلماء في الأندلس من كل صنف، وكانت هذه الرحلات منها وإليها، لها منفعة ومضرة؛ فمنفعتها أنها نشرت العلم ما شاء أن ينشر، وكونت علماء نابغين، ووسعت الثقافة بين الشعب الأندلسي، ولكن مضرتها أنها صبت العلم الأندلسي في قالب يشبه القالب الشرقي، ولو نشأ بعيدا عن التأثر الشرقي لرأينا علما مبتكرا له منحى خاص، وهذا مع الأسف لم نره، فالجداول التي مر بها العلم في المشرق، هي بعينها الجداول التي مر بها العلم في الأندلس، ولا نعثر على ابتكار إلا قليلا، وكانت هذه القوالب المشرقية أقوى من البيئة الأندلسية، فمع اختلاف بيئة الأندلس عن بيئة المشرق، سواء كانت بيئة طبيعية أو اجتماعية، كانت قوالب المشرق العلمية أقوى من البيئة الأندلسية. وكما قلد علماء المشرق الأقدمين منهم، فساروا في نفس طريقهم، قلد الأندلسيون علماء المشرق، فساروا في نفس الطريق؛ ولذلك نقرأ الكتب المؤلفة في الأندلس فكأنك تقرأ كتب المشرق في لغتها وأبوابها وفصولها.