تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم إنه روي عنه أنه أرتج عليه حينما حاول أن يخطب أول أمره، كما أخذ عليه أنه روى أول أمره بيتا غير مستقيم الوزن، ولكن يظهر أن اختصاصه كان في رواية ما تعلمه عن شيوخه في المشرق، ويكفي العالم نبوغه في ناحية واحدة من النواحي لا في كل النواحي، كالذي روى عن صاعد وقد رحل من المشرق إلى الأندلس، أيضا أنه أخطأ في وزن كلمة عويصة، وأخطأ في فهم مسألة من كتاب سيبويه، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن مهارته ونبوغه كانا في حسن بديهته الأدبية، ورواياته الشعرية.

وانتشر علم أبي علي القالي وصاعد، بين تلاميذهما، ومن تلاميذهما إلى تلاميذهم، وهكذا، وكانا من أول من وضعا أساس الثقافة المشرقية في الأندلس في اللغة والأدب.

ثم نشأت طائفة من أهل الأندلس نفسها تؤلف كما ألفا، كابن عبد ربه المالقي في العقد، فقد اختار زبدة أدب المشرقيين واعتمد على كتبهم، وخصوصا كتاب ابن قتيبة المسمى «عيون الأخبار» وبوبه تبويبا أشبه بتبويبه، إلا أنه سمى كل باب بنوع من الأحجار الكريمة، وجعله كالقلادة، وكان قصده منه أن ينقل إلى الأندلسيين أدب الشرقيين. وقد قال الصاحب بن عباد لما قرأه: «إن بضاعتنا ردت إلينا»؛ لأنه رأى فيه علوم المشرق التي يعرفها، وابن عبد ربه معذور، والصاحب مخطئ، فإنه لم يرد جمع مختارات أدباء الأندلسيين كما فعل ابن بسام في الذخيرة، وإنما أراد تعريف الأندلسيين بعلوم المشارقة. (2)

أما الوسيلة الثانية: فقد رحل بعض الأندلسيين إلى المشرق، وندبوا أنفسهم لتحصيل علم من علومه، والتبحر فيه، ثم الرجوع إلى الأندلس لنشر ذلك العلم بين أهله. ومن خير الأمثلة على ذلك: يحيى بن يحيى الليثي، فقد رحل إلى المدينة، وتتلمذ للإمام مالك، وأخذ عنه الموطأ، ولازمه، وخدمه كما سافر إلى مصر وأخذ من الليث بن سعد. وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وكان يحيى معروفا بالأمانة والدين، معظما عند الأمراء، متعففا عن الولايات، ثم نشر علمه في الأندلس، ومع تعففه عن القضاء أسند إليه اختيار القضاة، فكان يختار من كان على مذهب مالك، وألف حوله مجلسا يسمى مجلس الشورى، عين أعضاءه، ووكل إليهم أمر الفتيا، وإن كنا لم نعرف الكثير عن نظام مجلس الشورى؛ لأنه لم يذكر في كتاب التاريخ إلا لماما. وكان عظيم الجاه، حتى قال أحد مؤرخيهم: «إنه لم يعط أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر، هذا إلى صراحة في التزام الحق، وفي تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود».

ومثل ذلك كثير، فمنهم من رحل لتعلم الفقه، ومنهم من تعلم النحو، والصرف، والتفسير، والحديث والقراءات ... إلخ. ويجد القارئ في النفح ثبتا طويلا بأسماء من رحلوا من الأندلس إلى الشرق للتزود بالعلم، وبلغ من إقبالهم على ذلك أن كان الشخص يعاب بأنه لم يرحل إلى الشرق.

ومن هؤلاء جميعا ظهرت بعد ذلك طبقة من الأندلسيين أنفسهم يتقنون العلم، ويحملون عبء نشره، حتى نرى فيهم مثل ابن القوطية، وكنيته تدل على أنه قوطي الأصل، وفي الحقيقة كانت جدته أميرة قوطية، وقد نبغ في اللغة حتى فاق كثيرا من المشرقيين، وألف لنا كتاب «الأفعال» وغيره من الكتب التي تدل على علمه وفضله، وأمثاله كثيرون في كل فرع من فروع العلم كما سيأتي بيانه. (3)

جمع الكتب: ذلك أن الكتب أيضا من أهم وسائل الحركة العلمية، وقد روي عن الأندلسيين أنهم أدركوا ذلك كل الإدراك، ومن أبرزهم في ذلك الخليفة الحكم الثاني المعروف بالمستنصر من خلفاء بني أمية في الأندلس، ملك من سنة 350 إلى سنة 366ه، فقد انتدب نفسه للعناية بالعلوم (واستجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار المشرق والمغرب عيون التأليف والمصنفات الغربية في العلوم القديمة والحديثة، وجمع منها ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك لفرط محبته في العلم، وبعد همته في اكتساب الفضائل، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل، وتعلم مذاهبهم، حتى بلغت مكتبته الآلاف من الكتب).

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٢٧