تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمتاز الأندلس بأنها كانت بدخول العرب والمغاربة فيها مسكن كثير من الأوربيين والأسيويين. فقد تجمع فيها العرب والبربر، كما تجمع فيها الإسبانيون والفرنسيون ويهود أمم مختلفة؛ وبعبارة أخرى تجمع فيها العنصر السامي والعنصر الآري. وإسبانيا هي كذلك إلى الآن، ولا عبرة بخروج العرب والبربر من بينهم، فإن دم العرب سرى في عروق الإسبان إلى الآن مما جعلهم أمة فيها العنصر الشرقي والعنصر الغربي، ويظهر ذلك في لغتهم وموسيقاهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد يعلل السائحون ذلك بأنها أمة منعزلة عن سائر الأمم، ولكن التعليل الصحيح أن في دمهم بقايا العرب والبربر، حتى إن المقاطعات البعيدة كأهل قشتالة لا يزال فيهم أثر الدم العربي والعادات العربية.

وقد تلاقى في الأندلس جملة أمم: الإيبيريون، والسلتيون، واللاتينيون، واليونانيون من العنصر الأوربي، والقرطاجنيون، والفينيقيون، واليهود من العنصر الأسيوي؛ وطرأت على إسبانيا أمم جرمانية مثل: الفندال، والقوط، وهؤلاء القوط كانوا هم الطبقة السائدة عندما فتحها العرب.

ولما جاء العرب دخلها آلاف منهم ومن البربر، وبذلك اختلطت فيها أوربا، وآسيا وإفريقيا وامتزجوا امتزاجا غربيا؛ وهذا هو ما يمثلها حتى الآن. والعنصر الأوربي، أو السلالة الآرية، هو العنصر الغالب على القسم الشمالي الغربي من الأندلس، وأجسامهم قوية وعضلاتهم صلبة، وكانوا هم الشوكة الكبرى في جنب المسلمين أيام دولتهم، ومن هؤلاء القشتاليون الذين يعدون أنفسهم محرري البلاد، وفيهم حمية شديدة، وتعصب قوي؛ ويشبههم في هذه الحمية أهل أراغون؛ ولذلك لما تزوج ملك قشتالة بملكة أرغون - أي: تزوج فرديناند بإيزابلا - كان أهل المملكتين قوة كبيرة اجتاحت المسلمين، أما سكان جنوب الأندلس فيقول جوسه صاحب كتاب جغرافية إسبانيا والبرتغال: «إنهم أهل ذكاء وجمال ومرح وترف، وبلاد الأندلس تتصل بأوربا ببرزخ، وهو جبال البرانس، وكثيرا ما ذكر هذا الاسم في تاريخهم».

ويظهر أن نشأة العلوم في البيئات كلها كانت متشابهة أو متقاربة، فتبدأ الأرض جرداء لا نبات فيها، ثم تمهد الأرض، ثم توضع البذرة، وتسمد بالغذاء الصالح، وتتعاهد بالسقي حتى تنمو، وبعد ذلك تثمر. هذا ما حدث للعلم في المشرق، وهذا بعينه ما حدث للعلم في الأندلس.

لقد جاء الإسلام في المشرق، فمهد الأرض للنبات، ثم وضعت بذور العلوم الدينية من تفسير، وحديث، وسيرة، وتاريخ، ومضى على ذلك زمن طويل، تتطور فيه هذه العلوم، ثم زادت الحضارة، وأتي بالكتب من كل مكان، وترجم غير العربي إلى العربية، فعكف أهلها عليها يتفهمونها، ثم هضموها، وأخرجوا نتاجا عظيما، حتى في العلوم التي لم يكن لهم بها عهد، ومثل ذلك حدث في الأندلس، فقد دخل المسلمون الأندلس واصطدموا بالإسبان، وكانت صدمة عنيفة أذهلت العقول من البحث في العلوم، وكثر بين المسلمين الخلاف بسبب العصبيات من يمنية ومضرية، وانقسم اليمنيون أنفسهم إلى عصبيات، وكذلك المضريون. وكان الخلاف بين العرب والبرابرة، وبين العرب والإسبان مما لا يجعل للعلم مكانا، حتى إذا بدأت الأمور تهدأ، بدءوا يفكرون في العلم، وأول ما فكروا فيه الدين، وتلا ذلك بعد زمان العلوم الداخلية كالفلسفة والرياضيات.

ولما هدءوا وفكروا في العلم كان لذلك وسائل كثيرة: (1)

أن يدعى قوم من المشرق إلى الأندلس فيملئوها أدبا ولغة، كما فعل أبو علي القالي، فقد كان مشرقيا، ورحل إلى الأندلس بدعوة من أميرها، وكان قد تثقف ثقافة واسعة في المشرق، وأخذ كثيرا عن شيوخه، وخاصة ابن دريد، وكانت لابن دريد أخبار طريفة بعضها صحيح، وبعضها مصطنع، مثل وصايا الأعراب لأبنائهم وبناتهم، وما قيل فيها من كلام لطيف، خلقه ابن دريد على الأرجح؛ ولذلك ينسب إليه أنه واضع أصول المقامات قبل بديع الزمان، وكان المشرقيون قد قطعوا شوطا بعيدا في جمع اللغة، وجمع الأشعار، وأخذوا ينتقون منها المختارات المختلفة، كما فعل الأصمعي، والمفضل الضبي، فحوى ذلك كله أبو علي القالي، وسافر بعلمه إلى الأندلس، وكان رجلا عالما، وقورا، حافظا، فنشر ما شاء الله أن ينشر في الأندلس، وأخذ يروي مختارات حيثما اتفق، ثم يشرح ما احتاج إلى الشرح نظما كان أو نثرا.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٢٦