الأول:
أن بعض الأمراء الحازمين حكموا مدة طويلة كخمسين سنة، أو نحو ذلك استقامت فيها الأمور وازدهرت فيها الحضارة والعلم؛ كعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر ونحو ذلك.
والثاني:
أنه يظهر أن العملاء أو بعضهم كانوا يكونون لأنفسهم جوا هادئا يسود فيه العلم، ويبتعدون فيه ما أمكن عن السياسة رغم الفتن والقلاقل التي حولهم، وربما شهدت الأندلس أكثر من غيرها تحاسد الزعماء، ووجود عدد كبير من العتاة من البربر والعرب والصقالبة والإسبان، وقليل من الأمراء من استطاع أن يصون وحدة المملكة مدة طويلة، فإذا هدأت البلاد قليلا كانت ثورة إما من زعيم يريد أن يتغلب، وإما من النصارى في الشمال يريدون أن يسترجعوا بلادهم، وإما من بربر يحز في نفوسهم غلبة العرب، إلى غير ذلك.
وكان للأندلسيين خطط لتنظيم أعمال الحكومة وهي التي نسميها التنظيم الإداري، فوظيفة القضاء عندهم أكبر الوظائف وأسماها لتعلقها بالدين؛ ولأن القضاة كانت لهم سلطة كبيرة، حتى ليستطيع القاضي إحضار الخليفة أو الأمير ليسمع كلامه، وعلى رأس القضاء قاض كبير كان يسمى قاضي الجماعة، وله الحق أن يأمر بالقتل على من استحق القتل من غير رجوع إلى السلطان، وهو الذي يحد على الزنا وشرب الخمر، وكان بجانب وظيفة القضاء وظيفة (الحسبة) يتولاها عالم وجيه فطن، وكان صاحب هذه الوظيفة يمر على الأسواق راكبا، ومعه موازينه وأعوانه، فيزن الخبز، ويمتحن الأسعار، ويراقب البطاقات على السلع إذ كانت البطاقات توضع على الخبز واللحم، وقد يرسل المحتسب إلى البائع من يمتحنه سرا فإن عهدت عليه خيانة ضرب أولا وجرس، فإن لم يرتدع نفي من البلد، وكان في كل بلد محافظ يطوف بالليل، وكان المحافظون يسمون بالدرابين؛ لأن بلاد الأندلس لها دروب بأقفال تقفل عليها، ولكل زقاق خفير يخفره وسراج يعلق على باب الزقاق، وكلب يحرسه وسلاح معد لوقت الحاجة ... وأهل الأندلس من أكثر الناس محافظة على الشعائر الدينية والاستنكار لمن يعطلها ، وهم أكره ما يكونون للتسول، فإذا رأوا شخصا صحيح الجسم قادرا على العمل وهو يتسول، سبوه ونصحوه بأن يبحث له عن صناعة يرتزق منها ... إلخ.
وكانت هناك وظائف كتابية، والكتابة عندهم على ضربين: كاتب الرسائل وكاتب الزمام. فكاتب الرسائل كاتب أديب، يتولى كتابة الرسائل الرسمية وغير الرسمية. وأما كاتب الزمام فهو كاتب حسابي. وكانوا يلاحظون ألا يكون كاتب الزمام يهوديا ولا نصرانيا؛ لأن عظماء الناس ووجوههم يحتاجون إليهم، وهم يأنفون أن يحتاج المسلم لمن ليس من دينه.
والشعر عندهم له حظ عظيم، والشعراء من ملوكهم وجاهة، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم، ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم ... وإذا كان الشخص بالأندلس نحويا أو شاعرا، فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف، ويظهر العجب، عادة قد جبلوا عليها».
5
وكانت لهم عناية كبرى بالشرطة (البوليس) ورئيسهم يعرف بصاحب المدينة أو صاحب الليل. قالوا: وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن وجب عليه دون استئذان، كالذي للقاضي ولا يكون ذلك إلا نادرا.
ومن الصعب تحديد عدد سكان الأندلس في العصور المختلفة. ويروي بعض المؤرخين أنهم كانوا في أيام الرومان بين ثلاثين وأربعين مليونا، ولكن ليس هناك وثائق تاريخية تؤكد ذلك، ولم نقف على عددهم في أيام العرب. وقالوا: «إن هذه السكة لدار ضربها ثلاثة آلاف درهم وأربعمائة دينار»، وأيا ما كان فإن عدد السكان قد قل لما انتصر الإسبانيون على المسلمين، وتفرق كثير منهم ورحلوا إلى المغرب والمشرق، وسبب آخر لهبوط العدد، وهو اكتشاف أمريكا على يد الإسبان والبرتغال وهجرة كثير منهم إليها؛ حتى إنه في سنة (1768ه) كان عدد السكان تسعة ملايين ومائة وستين ألفا، وفي أوائل القرن الثامن عشر كانوا نحو عشرة ملايين، وبلغوا الآن اثنين وعشرين مليونا وثلاثمائة وثلاثين ألفا. ومعدل كثافة السكان بالنسبة إلى مساحة الأرض هو أربعون نسمة في الكيلو متر المربع الواحد. وعلى الجملة فهذا يعطينا فكرة ولو ساذجة عن سكان العرب في إسبانيا.