وفضائل أهل قرطبة أشهر من أن تذكر، ومناقبهم أظهر من أن تسطر، وإليهم الانتهاء في الثناء والبهاء، بل هم أعم البلاد، وأعيان العباد، ذكروا بصحة المذهب، وطيب المكسب، وحسن الزي في الملابس والمراكب، وعلو الهمة في المجالس والمراتب، وجميل التخصص في المطاعم والمشارب ... ولم تخل قرطبة قط من أعلام العلماء، وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير لهم أموال كثيرة وأحوال واسعة، ولهم مراتب سنية، وهمم علية، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضا. بين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق، والحمامات، وسائر الصناعات». وكل هذه الأخبار تعطينا صورة من صور الأندلس؛ مما يدل على حضارتها وثروتها، وجميل موقعها.
وإذا كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس تتفق مع المشرق من نواح غير النواحي التي تختلف فيها، ظهرت الشعوبية هنا وهناك، والسبب فيها واحد وهو أن العرب تخلقوا بالأخلاق الأرستقراطية وشمخوا بأنوفهم على من عداهم؛ لأنهم ناشرو الدين وأصحاب اللسن، وزعموا أنهم خير الأمم، فاضطرت الأمم الأخرى أن تدافع عن نفسها بقولهم: إن لكل أمة مزايا وعيوبا، وليست الفضائل كلها مقصورة على العرب، بل فيهم بعضها، وفي غيرهم بعضها. وكان من ذلك في المشرق حركة جدال عنيف بين العلماء، ووجهت الأسئلة الكثيرة إليهم أي الأمم أفضل؟ فوجهت مثلا إلى ابن المقفع، وإلى أبي سليمان المنطقي وغيرهما، ووجد في الأندلس من يقول بالشعوبية من أشهرهم ابن غرسية، واسمه يدل على أنه من أصل أجنبي.
وما لبث الأندلسيون بعد أن اختلط العرب بالإسبانيين وظهر نشء مولد بسبب التزاوج أن وجدت لهم لغة عامية بحكم صعوبة الإعراب، وأثر البيئة في الألسنة والحناجر. فيحدثوننا أن أبا علي الشلوبيني كان نحويا كبيرا، طبقت شهرته الآفاق في النحو ومع ذلك كان لحانا، وكان لا يكاد يبين.
واشتهرت بعض البلاد بأنواع من الفواكه والصناعات، فقالوا: التين المالقي والزبيب المنكبي، ونحو ذلك. وبالأندلس مقاطع للرخام الأبيض الناصع اللون والخمري، وفي البلدة المسماة (ناشرة) مقطع للعمد، واشتهرت المرية بحصاها الذي يشبه الدر في رونقه؛ وله ألوان عجيبة. قال ابن سعيد: «اختصت المرية ومالقة ومرسيه بالموشى المذهب الذي يتعجب من صنعته أهل المشرق. و... وبالمرية ومالقة الزجاج الغريب العجيب، وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفضض المعروف بالمشرق بالفسيفساء، ونوع يبسط به في قاعات ديارهم يعرف بالزليجي، يشبه المفضض، وهو ذو ألوان عديدة، يقيمونه مقام الرخام الملون، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره، واشتهرت المرية أيضا بأنها كانت مرسى للأسطول الإسلامي في الأندلس، وفيها دار للصناعة. قالوا: وكان في المرية ألف إلا ثلاثين فندقا مقيدة في ديوان الخراج».
وذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض الشمالية الغربية فيها المعادن السبعة، وأن أعظم معادن للذهب في الأندلس في جهة شنت ياقوب قاعدة الجلالقة على البحر المحيط، وفي جهة قرطبة الفضة والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن المتفرقة في أماكنها ... إلخ ... إلخ.
وقد اعتاد الأندلسيون والشرق أيضا ألا يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولا يعتمدوا على أنفسهم في النظام وتدبير الشئون، وإنما اعتادوا الاعتماد على رجل قوي حازم يحكمهم ويقودهم. هذا في الأندلس، ومثله في الشرق؛ ولذلك نرى أن الأمور تستقيم ما دام على رأس المملكة رجل قوي حازم، فإذا زال كان الاضطراب والفوضى، وكان هذا في الأندلس أقوى؛ لأن سكانها ذوو عناصر مختلفة، فهؤلاء العرب بقبائلها، وهؤلاء البربر، وهؤلاء الصقالبة، وهؤلاء الإسبان، فما لم يثبت الحاكم كفايته للضغط على هذه العناصر المتباينة أخرجت هذه الشعوب كلها أنيابها للفتنة والاضطراب، فضلا عن اختلاف بعضهم وبعض في الدين بين نصراني كاثوليكي في الشمال ومسلم في الجنوب؛ ولهذا كان تاريخ الأندلس حوادث متعاقبة تختلف في النظام والفوضى، فتستقر عند وجود الحاكم الحازم وتضطرب عند عدمه ، والقارئ لتاريخهم يعجب من ازدهار الحضارة والعلم في وسط هذا الاضطراب، ويفسر هذا شيئان: