وقد وصف المقدسي سيد الجغرافيين الأندلس في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، ولكنه لم يذهب إليها، وإنما اعتمد في وصفه على السماع من أهلها، ويقول عن الأندلس: «إنه إقليم جليل، كبير طويل، كثير النخل والزيتون، به مواضع الحر، ومعادن البرد، كثير اليهود، جيد الهواء والماء ... وأهل الأندلس على مذهب مالك، وقراءة نافع، وهم يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله، وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه، وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه ... يدخلون الحمامات بلا مآزر إلا القليل، وكل مصاحفهم ودفاترهم في رقوق ... وأهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة، خطوطهم مدورة ... وبه تجارات تحمل من برقة ومن صقلية ومن فاس. وبالأندلس السفن
4
يتخذ منه مقابض للسيوف، ويقع إليهم من البحر المحيط عنبر كثير في وقت من السنة» ... إلخ إلخ.
وقال الحجاري: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية، وإليها كانت الرحلة في الرواية، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، وهي من الأندلس بمكان الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار، مكتنف بديباج المروج، مطرز بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار، وتنعر النواعر ... وإن كان قد أخنى عليها الزمان، وغير بهجة أوجهها الحسان ... وسل الخورنق والسدير وغمدان».
ولما دخل الأندلس أمير الموحدين يوسف بن تاشفين، وأمعن النظر فيها وتأمل وصفها وحالها: قال: «إنها تشبه عقابا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق».
وقد وصف الشريف الإدريسي الأندلس وصفا مطولا نختصره فيما يأتي: قال: «إن الأندلس في ذاتها شكل مثلث بها يحيط بها البحر من جميع جهاتها الثلاث ... والأندلس طولها ألف ومائة ميل، وعرضها ستمائة ميل، وجزيرة الأندلس مقسومة من وسطها في الطول بجبل طويل ... وفي جنوب هذا الجبل تأتي مدينة طليطلة، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، وكانت في أيام الروم مدينة الملك، ومدارا لولاتها ... وما خلف الجبل في جهة الشمال يسمى قشتالة».
وقد عدد هنا المدن، وذكر مواقعها، ومزايا كل مدينة، والبعد بين كل مدينة وأخرى بالمراحل أو الأيام، وأبدع ما وصف وصفه لمسجد قرطبة إذ قال: «وفيها - أي: قرطبة - المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا، وطولا وعرضا، وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا، ونصف مسقف، ونصفه صحن للهواء، وعدد قسي مسقفه تسعة عشر قوسا، وفيه من السواري ألف سارية، وفيه 113 ثريا للوقيد أكبرها واحدة تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل 12 مصباحا ... وجميع خشب هذا المسجد من عيدان الصنوبر الطرطوشي ... وبين العمود والعمود 15 شبرا، ولكل عمود منها رأس رخام، وقاعدة رخام ... ولهذا المسجد الجامع قبلة يعجز الواصفين وصفها، وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها، وكل ذلك من الفسيفساء والمذهب والملون، مما بعث صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقش، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران، واثنان لازورديان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خصة رخام قطعة واحدة مشبوكة محفورة، منمقة بأبدع التنميق، ومن الذهب واللازورد وسائر الألوان، وعلى وجه المحراب مما استدار به حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، وعن يمين المحراب المنير الذي ليس بمعمور الأرض مثله ... صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صناعه ستة رجال غير من يخدمهم، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهب وفضة، ومسك لوقيد الشمع، في ليلة سبع وعشرين من رمضان. وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان وفيه نقط من دمه، وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل يوم جمعة ...