تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الشقندي فله رسالة أخرى تعصب فيها للأندلسيين على طول الخط في كل علم وفن، فقال: «إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم من الفضلاء والأدباء والشعراء ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبوا، وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم.

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم

بعد الممات جمال الكتب والسير

وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، وكان من ملوكهم العلماء: المنصور بن أبي عامر، وبنو عباد، وبنو صمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو هود. ومن أعظم ما يحكى عنهم أن أبا غالب اللغوي ألف كتابا فبذل له فيه ألف دينار فقال: «كتاب ألفته لينتفع به الناس، لا يصح أن آخذ عليه أجرا» ... وكان لبني عباد من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم صدورا في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، ولم يكن لغيرهم في الفقه مثل: عبد الملك بن حبيب، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العرب، وأبي الوليد بن رشد؛ وليس في المشرق في الحفظ مثل ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى رتبة العلم، ورآها فوق كل رتبة، ولا مثل ابن عبد البر، وليس في حفاظ اللغة كابن سيده، صاحب كتاب المحكم، ولا في النحو مثل: أبي محمد بن السيد، وأبي علي الشلوبيني، ولا في علم الفلسفة كابن باجة، ولا في علم النجوم كالمقتدر بن هود، ولا في الطب مثل ابن طفيل، ومثل بني زهر، ولا في الأدب كابن عبد ربه صاحب العقد، ولا في تخليد مآثر قومه كابن بسام صاحب الذخيرة، ولا في بلاغة النثر كالفتح بن عبيد الله بن خاقان الذي إن مدح رفع، وإن ذم وضع؛ وقد ظهر له من ذلك كتاب القلائد، ولا في الشعر مثل المعتمد بن عباد، وقد ألف المظفر بن الأفطس ملك بطليوس كتابا في نحو مائة مجلد، ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همة الأدب. وليس في الوزراء مثل ابن زيدون، ولا في الشعر مثل ابن دراج الذي قال فيه الثعالبي في اليتيمة: «إنه في الأندلس كالمتنبي في الشام»، ثم عدد المعاني اللطيفة التي وردت على لسان الشعراء، ثم قال: «وهل في النساء من برعن في الأدب مثل ولادة صاحبة ابن زيدون، وزينب بنت زيادة؟» ثم عدد فضائل البلاد الأندلسية، كإشبيلية، وقد قارن بين نهرها وبين نيل مصر، فقال: «هي غابة بلا أسد، ونهرها نيل بلا تمساح، وليس لمثلها ما لها من أدوات الطرب، نعم في البلاد الأخرى مثلها، ولكن إشبيلية تفوقها، وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم، ومنار التقى، ومحل التعظيم والتقدير. وبلاد جيان أكثر البلاد زرعا، وأصرمها أبطالا، وأعظمها متعة؛ وأما غرناطة، فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، نبغ فيها من الشواعر ما لا يحصى. وأما «مالقة» فقد جمعت بين منظر البر والبحر، وكثرة المراكب البحرية، وقد خصت بطيب الشراب، حتى قيل لأحد الخلفاء، وقد أشرف على الموت: اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه، وقال: رب، أسألك من جميع ما في الجنة، خمر مالقة، وزبيب إشبيلية.

واشتهر أهل «المرية» باعتدال المزاج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، والحصى الملون العجيب الذي يتزين به. واشتهر أهل «مرسيه» بالصرامة والإباء والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المنضدة، وكان أهل الأندلس يقصدونها لتجهيز العروس. واشتهرت «بلنسيه» بكثرة بساتينها، وأن أهلها أصلح الناس مذهبا، وأمتنهم دينا ... إلخ إلخ».

وعلى كل حال اشتهر أهل الأندلس بالعلم في كل ميدان، وكانوا يعجبون ببلادهم، ويفتخرون بها، كما اشتهروا بالجد في التحصيل، والرغبة في التفوق.

ومما لا شك فيه أن المنهج الذي سلكه ابن حزم، والشقندي، ليس منهجا علميا دقيقا، إنما هو كلام يقال، فمن الصعب جدا الحكم بأن فردا أذكى من فرد، فكيف الحكم بأن أمة أذكى من أمة، بل إنها أذكى من الأمم، ومسلكهما الذي سلكاه هما وغيرهما أنهما يحكمان حكما كليا، ثم يستدلان عليه بمسألة جزئية، فيقولون: إن أهل الأندلس عرفوا بعلو الهمة، أو الاعتناء بالنظافة أو شدة الحفظ والذكاء، ويستدلون على ذلك بحادثة حدثت لرجل أو من رجل، فكيف يصح هذا في العقل؟ إنما المنهج الصحيح هو مثلا في توزيع مقياس الذكاء على الناشئين، وعمل ذلك في أمة أخرى، والمقارنة بينهما، ونحو ذلك؛ وبذا تطمئن النفس بعض الشيء عند النتيجة. أما القول جزافا بأن أمة أذكى والاستدلال بأن فلانا ألف كتابا قيما، فبرهان قاصر؛ ومحال أن تكون أمة كبيرة العدد، كالأمة الأندلسية لا ينتج منها علماء أعلام، وأدباء فطاحل. كل ما في الأمر أنهما لم يأتيا ببرهان واضح حازم، وإنما أتيا بشيء أصح أن يستأنس به فقط.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢٢٢