وعرفت للأندلسيين صفات خاصة، فمثلا اشتهروا بالنظافة، حتى إن بعضهم ليفضل أن يكون نظيفا في ملبسه ومأكله ولو بسيطا، عن أن يأكل أكلا فخما قذرا، وقد اعتادوا أن يسيروا في الشوارع ورءوسهم عارية، حتى لقد ترى القاضي أو المفتي وهو عاري الرأس، ويندر أن يتعمم، واعتادوا أيضا أن يلبسوا البياض عند الحداد، وقال القائل:
يقولون: البياض لباس حزن
بأندلس فقلت: من الصواب
ألم ترني لبست بياض شعري
لأني قد حزنت على الشباب
وكان الأندلسيون شديدي التعصب لبلادهم، تلحظ ذلك في تراجم علمائهم، فهذا يلقب بالمالقي، وهذا بالبلنسي، وهذا بالغرناطي، أو بالشاطبي، أو الجيني، أو نحو ذلك، كما كان الحال في الشرق مثل: البغدادي، والبخاري، والهمذاني، والبصري، والواسطي، وكانوا يميلون في كلامهم إلى الإمالة، حتى ليقولون في كتاب: كتيب تقريبا، كلغة أهل حماة وحلب.
ويحدثنا ابن خلدون وأبو بكر بن العربي أن للأندلسيين طريقة في التعليم غير طريقة أهل الشرق، فإنهم في المشرق يحفظون القرآن أولا قبل أن يستطيع الصبي فهم معناه، ثم يعلمون اللغة العربية، وعيب هذه الطريقة أن الحافظ للقرآن من غير معنى عرضة لفهم المعاني الخاطئة التي قد تبقى في ذهنه على مر الأيام، أما في الأندلس فيعلمون اللغة أولا، ثم يحفظون القرآن بعد القدرة على الفهم، وعيب هذه الطريقة التعرض لأن يتخلف بعض المتعلمين عن حفظ القرآن أو يتعلمون العلوم العربية، ثم ينقطعون عن التعلم؛ ولذلك نصح بعضهم أن يحفظ الطفل القرآن أول الأمر ولو من غير فهم ثم يتعلم العلوم العربية، ثم يعود إلى القرآن ثانية وقد استطاع الفهم.
وشهروا بعلو الهمة حتى لقد يفرطون في ذلك فيطمح كثير منهم أن يكونوا ملوكا فتنشب الفوضى في البلاد، كما اشتهروا بالرغبة في العلم، حتى لقد وضع ابن حزم رسالة فضل علماء الأندلس، وعاب على أهل الأندلس تقصيرهم في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم مع كثرتهم، ووفور أدبائهم، وجلالة ملوكهم، وقد تدورك هذا فألف بعده كثير من كتب تراجم علماء الأندلس وأدبائها، وما أكثرهم، وقد عد في رساله هذه الكتب المؤلفة في الحديث وفي الناسخ والمنسوخ، وكتب الفقه المؤلفة على مذهب الإمام مالك، وفي اللغة ككتاب «البارع» و«المقصور والمهموز»، وكتاب «الأفعال» لابن القوطية، وفضل كتاب «الأمالي» على كتاب «الكامل» للمبرد؛ لأنه أكثر لغة وشعرا، وكتاب «الحدائق» لأبي عمر أحمد بن فرج على كتاب «الزهرة» لابن داود، وكتاب «التشبيهات»، وكتب ألفت مقصورة على شعراء الأندلس، كالكتب التي ألفت مقصورة على شعراء المشرق، كما ألفوا كتبا كثيرة في التاريخ.
وقال ابن حزم أيضا: «إنه رأى كتبا في الفلسفة لسعيد بن فتحون السرقسطي، ولأبي عبد الله المذحجي، وفي الطب لابن الهيثم في الخواص والسموم والعقاقير ما لا يقل عن كتب المشرق». وقد اعترف بأن الأندلسيين في الحساب والهندسة لم يجاروا المشرقيين. قال: «وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الفصل، ولا اختلفت فيها النحل؛ لذلك قل تصرفهم في هذا الباب. وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال ويؤلفون على أصوله». وقال: «وبلدنا هذا على بعده من ينبوع العلم ونأيه من محلة العلماء، فإن له من تآليف أهله، ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر، لم يوجد، ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا ابن دراج القسطلي، لما تأخر عن شأو بشار وحبيب والمتنبي، وكيف ولنا معه فحول آخرون؟» وعلى كل حال فصاحب البيت أدرى بما فيه، وابن حزم رجل واسع الاطلاع، صادق الحكم.
وخلاصة رأي ابن حزم: أن الأندلسيين لا يقلون عن المشرقيين في سائر العلوم، ما عدا علم الكلام، لقصر نفسهم في الجدل، وإلا في الحساب والهندسة. والضعف في علم الكلام لا يضيرهم؛ لأنه في المشرق ملأ العقول آراء لا طائل تحتها، وعلم الناس السفسطة، ولعل سبب انتشاره في المشرق دون الأندلس أن المشارقة من قديم ورثوا آراء قديمة عن زرادشت، ومزدك وغيرهما، وعن فلاسفة الهند والصين والفرس، حتى وصل بهم الجدل إلى آراء غريبة. أما الأندلسيون فلم يكن لديهم هذا الميراث الثقيل، وأما قصورهم في الحساب والهندسة، فقلة استعداد في الغالب، كالذي نراه عند أرسطو، والجاحظ، وابن سينا، وأخيرا السيوطي، فقد اعترف السيوطي بأنه لا يحسن حل المسائل الحسابية ولو كانت بسيطة.