وقلد عبد الرحمن الناصر الخليفة العباسي المعتصم، فإن المعتصم أنشأ جيشا من الأتراك يعتمد عليه لما تعب من العرب، فكذلك أنشأ عبد الرحمن الناصر جيشا من المماليك يوطد به سلطته، ولكن المماليك هنا كانوا يسمون الصقالبة، وهو اسم كانوا يطلقونه على أسرى الحرب من جميع البلاد الأوربية، وعلى من وقع من أيدي المسلمين من الرقيق، وذلك أن تجارة الرقيق كانت منتشرة، وكان بعض البيزنطيين يقدمون للمسلمين في الأندلس أنواعا أخرى من الرقيق من غزواتهم لشواطئ البحر الأسود، وكانت هناك إلى ذلك كله مراكب لقرصان إسبانيين يغزون السواحل، ويصيدون بعض الناس، ويبيعونهم في سوق الرقيق بالأندلس، وكان اليهود أهم من يقوم بتجارة الرقيق هذه.
وعظمت منزلة الصقالبة كثيرا، كما عظم الأتراك في عهد المعتصم ومن بعده، حتى كان كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه، وكان عبد الرحمن الناصر يثق بهم أكثر مما يثق بالعرب والبربر، حتى لقد يعهد بقيادة جيش كبير إلى صقلبي. ومن أجل هدوء البلاد وطمأنينتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، حتى كانت قرطبة تفوق كثيرا من مدن أوربا، وازدهرت التجارة والزراعة، حتى بلغ دخل الدولة السنوي من طريق الضرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر 20 مليون دينار، ويقول الأستاذ بروفنسال: إنها بلغت فيما بعد 40 مليونا، والدينار لا يصح أن يقارن بالجنيه اليوم؛ لأن قيمة كل منهما إنما هي في قدرته على الشراء، وكانت قدرة الدينار إذ ذاك أكبر، وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل على حضارته، كالأوصاف البديعية التي وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن هذا، وأسماها باسم جارية حظية عنده. قالوا: إنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل في خمس وعشرين سنة. وبني فيها قصر للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة، وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية، وسيأتي وصفها فيما بعد.
وبعد أن ضعفت الدولة الأموية في الأندلس جاءت الدولية العامرية، فزلزلت البيت الأموي، ولولا قوة شخصية ابن أبي عامر، وطفولة الأموي المرشح للخلافة، وألاعيب أمه لظل الناس متمسكين بالبيت الأموي مدة طويلة.
ثم تفتتت الدولة الأندلسية وتغلب عليها ملوك الطوائف، فكل ملك ثار في بلد، واستولى عليها، فتعددت الملوك، وتفرق أهل البلاد، وأصبح في كل بلد أمير ومنبر، حتى أهل البيت الواحد انقسموا فيما بينهم، ولم يمكنوا الحاكم من الاستمرار، فبعضهم ينزل الأمير عن عرشه، ويستولي هو، وبعضهم يحالف ملوك إسبانيا ضد الأمراء من أهل بيته، حتى انتهى كل هذا إلى خروجهم جميعا من الأندلس، وسقوطها في يد الإسبانيين بعد حكم دام نحو ثمانية قرون.
وقد حاول أمراء المغرب من مرابطين وموحدين أن يعيدوا الأندلس إلى الوحدة والترابط، ولكن مع الأسف سرعان ما ضعفوا أيضا. ولم يكونوا من سعة الأفق والعراقة في المدنية والحضارة، بحيث يستطيعون أن يحكموا الأندلس طويلا، فزلزلت الأرض من تحتهم، فسقطوا وزال ملكهم سريعا، وخلفهم دويلات صغيرة كانت أعجز من أن تقاوم الإسبانيين وتقف أمامهم، فانهزموا تباعا إلى أن رحلوا أخيرا من غرناطة، وتركوا الديار تنعي من بناها.
نعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن العرب والبربر الفاتحين تغلبوا على الإسبانيين ولم يتغلبوا بالسيف وحده، بل كذلك تغلبوا أيضا بروحهم ولغتهم ودينهم، حتى دخل كثير من الإسبانيين في الإسلام، وتقمصوا النفسية العربية، ونسوا لغتهم اللاتينية، وتعاليمهم النصرانية، وتعددت شكوى القسيسين من أن الإسبانيين ينسون دينهم ولغتهم، ويقبلون على الإسلام ولغته. ولعل من أسباب ذلك أن اللغة العربية كانت فضلا عن أنها لغة الفاتحين تزخر بالعلوم والمعارف التي افتقرت إليها لغتهم.