وقد دخل كثير من أهل البلاد في الإسلام وتكلموا العربية، وتعصبوا لها ضد لغتهم وديانتهم، ولما رأى العرب والبرابرة الأندلس أعجبوا بها، وافتتنوا بمحاسنها حتى قال قائلهم:
إن للجنة بالأندلس
مجتلى مرأى وريا نفس
فسنا صبحتها من شنب
ودجى ظلمتها من لعس
فإذا ما هبت الريح صبا
صحت وا شوقي إلى الأندلس
ويقول آخر:
وليس في غيرها بالعيش منتفع
ولا تقوم بحق الأنس صهباء
وكيف لا يذهب الأبصار رؤيتها
وكل روض بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضة والمسك تربتها
والخز روضتها والدر حصباء
وللهواء بها لطف يرق به
من لا يرق وتبدو منه أهواء
فيها خلعت عذاري ما بها عوض
فهي الرياض وكل الأرض صهباء
وقد وصف لسان الدين بن الخطيب عرب غرناطة وبرابرها وصفا ينطبق على جميع عرب الأندلس تقريبا وبرابرتهم، خصوصا بعد مضي زمن من بدء الفتح، فقال: «أحوال هذا القطر في الدين وصلاح العقائد أحوال سنة ... صورهم حسنة، وأنوفهم معدلة غير حادة، وشعورهم سود مرسلة، وقدودهم متوسطة معتدلة إلى القصر، وألوانهم زهر مشربة بحمرة، وألسنتهم فصيحة عربية، يتخللها إعراب كثير، وتغلب عليهم الإمالة ... ولباسهم الغالب على طرقاتهم الفاشي بينهم الملف المصبوغ شتاء ... فتبصرهم في المساجد أيام الجمع كأنهم الأزهار المفتحة في البطاح الكريمة، وأنسابهم العربية ظاهرة، يكثر فيها القرشي، والفهري، والأموي، والأنصاري، والأوسي، والقحطاني، والحميري، والمخزومي، والتنوخي، والغساني، والأزدي، والقيسي ... إلخ.
وجندهم صنفان: أندلسي وبربري، والأندلسي منهم يقودهم رئيس من القرابة، وحصي من شيوخ
1
المماليك ... وزيهم في القديم شبه زي أقيالهم وأضدادهم من جيرانهم الفرنج، إسباغ الدروع، وتعليق الترس، واتخاذ عراض الأسنة ... إلخ، والبربري يرجع إلى قبائله المرينية، والزنانية ... إلخ، والعمائم تقل في زي هذه الحضرة، إلا ما شذ في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم ... ومواسمهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد، والغنى بمدينتهم فاش، وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام، وربما اقتات في فصل الشتاء الضعفة والبوادي والفعلة في الفلاحة والذرة العربية، وفواكههم اليابسة متعددة، يدخرون العنب سليما من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح والرمان والقسطل
2
والجوز واللوز إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع إلا مدة. وصرفهم فضة خالصة وذهب إبريز ... وعلى عهدنا في شق - يعني من النقود الفضية: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وفي شق: لا غالب إلا الله ... ودينارهم في شق منه:
قل اللهم مالك الملك ، إلى
بيدك الخير ؛ ويستدير به قوله تعالى:
وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (البقرة: 163). وفي شق اسم الأمير، ويستدير به: لا غالب إلا الله.
وعادة أهل المدينة البروز إلى الفحوص
3
بأولادهم وعيالهم، معولين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم ... وحريمهم حريم جميل، موصوف بالحسن، وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب النشر، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، إلا أن الطول يندر فيهن. وقد يبلغن في التفنن في الزينة، والمظاهرة بين المصبغات، والتنافس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية».
لهذا اختلف أهل الأندلس عن أهل الشرق، فبيئة الأندلس الطبيعية والاجتماعية مختلفة عن بيئة الشرق في كثير من الشئون، وبذلك اختلف النتاج الأندلسي عن النتاج المشرقي.
على كل حال ظلت ولاية الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق، يرسل الخلفاء الأمويون الوالي على الأندلس من قبلهم، أو يرسل والي إفريقيا واليا تابعا لهم إلى الأندلس، وظل الحال كذلك حتى سقطت الدولة الأموية، وتتبع الخليفة العباسي السفاح بني أمية يقتلهم وينكل بهم، ففر حفيد لهشام بن عبد الملك، وهو عبد الرحمن الملقب بالداخل وبصقر قريش إلى الأندلس، وانتهز فرصة الخلاف بين القيسية واليمنية فتغلب على الولاة، وبايعه الناس بالإمارة وجعل قرطبة عاصمة إمارته، ولم يسلم من ثورة عدد كبير عليه، من عرب وبربر، حتى شارلمان مؤسس الإمبراطورية الفرنجية الكبيرة، أراد أن يتقرب إلى هارون الرشيد بالتنكيل بعبد الرحمن، وبالفعل بعث جنده غازيا الأندلس ولكنه لم ينجح، فرد عبد الرحمن جنوده، ونزلت بشارلمان هزيمة كبيرة في عودته، وشاء الحظ أن تطول مدة عبد الرحمن الداخل فاستطاع أن يؤسس دولته على أسس متينة ثابتة الأركان، كما فعل أبو جعفر المنصور في الدولة العباسية، وخدم بهذا أبناءه من بعده، فلما مات سلم لابنه هشام دولة قوية يؤيدها جيش قوي، ولكن لم يستطع عبد الرحمن الداخل، ولا أبناؤه من بعده، أن يقضوا قضاء تاما على الإسبانيين في جزء من الشمال، فظلوا شوكة في جنب المسلمين، يتحركون ويحاربون كلما سنحت لهم الفرصة، ينهزمون مرة وينتصرون مرة، حتى تم لهم النصر أخيرا. وظلت الإمارة الأموية في الأندلس حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فتجرأ ولقب نفسه أمير المؤمنين، ونقل عبد الرحمن هذا مظاهر الترف والنعيم التي كانت في الدولة العباسية إلى الأندلس، وتبعه بعد ذلك في تدعيم الترف أبناؤه خصوصا على يد زرياب، واستطاع عبد الرحمن الناصر أن يصبح أعظم الأمراء الأمويين في إسبانيا، وشاء له الحظ أن يحكم خمسين سنة، أمكنه فيها أن ينشر السلام في البلاد، ويرضي الخاصة والعامة، وفي عهده حاول الفاطميون أن ينشروا تعاليمهم، ويثيروا البلاد لينشروا مذهبهم الفاطمي، فلم يمكنهم من ذلك، وقضى على مؤامرتهم.