تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن قصدي أن أؤرخ الحياة السياسية؛ لأن مهنتي هي الحياة العقلية لا السياسية، وذلك شأني في كل أجزاء السلسلة، فلم أتعرض لشرح الحياة السياسية والاجتماعية إلا بالقدر الذي يلقي ضوءا على الحياة العقلية، خصوصا وأن أكثر ما رأيت من الكتب التي ألفت في الأندلس عربية أو إفرنجية كانت تدور حول السياسة، فإن زادت شيئا ففصل أو فصلان فقط في شرح الحياة الفكرية، فكانت الحاجة إلى شرح الحياة العقلية أمس، والعناية بها أوجب.

فأقدم الكتاب على هذا النحو للقراء راجيا منهم - لا كما كان يقول السابقون - أن يغضوا الطرف عما فيه من عيوب، بل أن يقيدوها ويشرحوها ويبينوها لي حتى أتدارك ما لا يخلو منه مؤلف من خطأ. فالحياة العلمية في كل فرع إنما تحيا بالنقد، وتتقدم بتمحيص الآراء، وإظهار العيوب، وحسن التوجيه.

وهذا رجاء أرجوه في كتابي هذا، وفي كل كتبي، فما أردت إلا الحق.

ويبقى علي من هذه السلسلة في القرن الرابع الهجري، وهو الذي عنونته ب «ظهر الإسلام» الجزء الرابع والأخير من المذاهب الدينية وتطورها.

والله أسأل أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه.

القاهرة

14 ربيع الثاني سنة 1373ه

21 ديسمبر سنة 1953م

الفصل الأول

| الحياة الاجتماعية في الأندلس

في سنة (91ه) أرسل موسى بن نصير عاملا على إفريقيا فعزم على فتح الأندلس، وأرسل طارق بن زياد البربري الأصل لمباشرة الفتح أول الأمر، فعبر طارق البحر بقصد فتح الأندلس، وكان حسن سمعة العرب في الفتح وشجاعتهم واستماتتهم في نشر الدعوة سببا في انتصارهم، يضاف إلى ذلك سوء حكم الإسبانيين وما بين ولاتهم من ضغائن وإحن، وتمم موسى بن نصير ما بدأه طارق.

وقد كان الفاتحون من قبائل العرب المختلفة، فمنهم العدنانيون من هاشميين وأمويين، ومنهم اليمنيون كقبيلة كهلان والأزد، وانضم إلى هؤلاء في الفتح مصريون وشاميون وعراقيون وجمع كبير من البربر. وقد امتزج هؤلاء جميعا ببعض أهل البلاد من قوط وإسبانيين وغيرهم إما بالمصادفة أو بالمصاهرة، ولكن مع الأسف أنه ما لبثت العصبية القديمة التي كانت ظاهرة في المشرق أن عملت عملها في المغرب، فكان إذا ولي الأمر قيسي نكل باليمنيين وقرب المضريين، وإذا ولي الأمر يمني نكل بالقيسيين وأعلى شأن اليمنيين، حتى سالت الدماء في كل مقاطعة، وحتى اصطلحوا أخيرا على أن تكون الولاية في القيسية سنة، وفي اليمنية سنة.

وكل يوم نسمع واليا هزم وواليا نصب حتى بلغ عدد الولاة نحو أربعين واليا في مدة وجيرة.

على كل حال كانت العناصر التي سادت الأندلس أربعة: (1)

العرب: وكانوا يحسون إحساسا قويا بأرستقراطيتهم لغلبتهم على الإسبانيين والبربر وإدخالهم في الإسلام، وبلغتهم التي تفوق غيرها. (2)

البربر: وهم يشاركون العرب في البداوة والإسلام والعصبية القبلية والشجاعة؛ ولذلك وجد منهم العرب الأمرين عند فتحهم للمغرب. (3)

الإسبان: وهم مسيحيون كاثوليك، يرون أن البربر والعرب دخلاء عليهم وأنهم أحق بملك بلادهم. (4)

المسلمون المولدون من تزاوج العرب بالبربر، أو العرب بالإسبانيات والصقالبة، وكان لذلك سبب كبير، وهو أن الجيش الفاتح كان من الرجال النازحين من الشرق الذين قطعوا مسافات بعيدة حتى وصلوا إلى الأندلس، فكان طبيعيا ألا يرحل معهم عدد كبير من النساء، فاضطرتهم الحاجة إلى أن يتزوجوا من الإسبانيات أو من البربر ويستولدوهن. وقد خرج من هذا الازدواج بين عربي وبربرية، أو عربي وإسبانية جيل جديد مولد، يشبه ما كان في الشرق من تزاوج بين عربي وفارسية، وقد عرف المولدون من النساء الإسبانيات بالذكاء والشجاعة والجمال، وكان لهم في تاريخ الأندلس تاريخ طويل.

وقد حبب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الإسبانيات والبربريات من جمال وبياض بشرة، واصفرار شعر وزرقة عيون، وهي صفات يحبها العربي كثيرا؛ لأنها جديدة عليه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢١٨