ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي
يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرت قبرا من بعيد
وددت لو أنني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حر
تصدق بالوفاة على أخيه
فلما ظهر أدبه استوزر، وعاش عيشة مترفة ناعمة، وكان يجلس الأدباء والشعراء في مجلسه، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وهذا الصاحب ابن عباد يقول الشعر وينقده، ويقود حركة فكرية رائعة، ومن حبه للعلم والأدب أنه كان يرسل إلى بغداد كل عام خمسة آلاف دينار تفرق في الأدباء والفقهاء، وكان يطمح أن يتملك العراق، فيستكتب أبا إسحاق الصابي.
وهذا ابن سعدان ، كان وزير صمصام الدولة، وكان يأنس بالفلسفة أكثر مما يأنس بالأدب، وكان من جلسائه أبو حيان التوحيدي، وتدل أسئلته التي كان يسألها أبا حيان في النفس وخلودها، ونحو ذلك على أنه ذو عقلية فلسفية، وكان يعتز بجلسائه، ويفتخر بأنهم خير من ندماء المهلبي، فكان من جلسائه عيسى بن زرعة النصراني المتفلسف، وابن عبيد الكاتب، وابن حجاج الشاعر، وأبو الوفاء المهندس، ومسكويه، وأبو القاسم الأهوازي، وبهرام بن أردشير، وكان يقول: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، وإنهم لأعيان أهل الفضل، وسادة ذوي العقل، وإذا خلا العراق منهم خلا من الحكمة المروية، والأدب الغزير، وهل عند ابن عباد إلا صاحب الجدل الذين يشغبون ويحمقون؟»
1
وهذا سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، كان كاتبا سديدا، جمع كثيرا من الشعراء كغيره من الوزراء كالسلامي، والببغاء، والنامي، والحاتمي.
ومن العجيب أن آل بويه هؤلاء شهروا بالظلم، وكثرة المصادرة للأموال، والنهب من الأغنياء، حتى إنا نجد بعض الرسائل التي وصلت إلينا من هذا العهد البويهي مملوءة بالشكوى من الظلم، فيقول الصابي مثلا في بختيار البويهي: «فما زال بختيار يسيء الاختيار، ويتنكب الصواب، ويتجنب الإصلاح، ويمزق الأموال، ويعرض الدولة للزوال، ويهرج الأولياء أشد الإهراج، ويحملهم على أعوج المنهاج، ويخرب الأوطان، ويشتت الأقران، ويقتل الكفاة، ويستكفي الغواة؛ إلى أن بلغ من فاسد سيرته، وضال طريقته، أن استكتب محمد بن بقية، المحيط بكل خلة دنية»، وربما كان هذا الوصف ينطبق على أكثر البويهيين وعمالهم.
ويقول أبو بكر الخوارزمي في وصف سيرة حاكم: «فما زال يفتح علينا أبواب المظالم، ويحتلب فينا ضرع الدنانير والدراهم، ويسير في بلادنا سيرة لا يسيرها السنور في الغار، ولا يستجيزها المسلمون في الكفار، حتى افتقر الأغنياء، وانكشف الفقراء، وحتى ترك الدهقان ضيعته، وجحد صاحب الغلة غلته، وحتى نشف الزرع والضرع، وأهلك الحرث والنسل، وحتى أخرب البلاد، بل أخرب العباد، وحتى شوق إلى الآخرة أهل الدنيا، وحبب الفقر إلى أهل الغنى ... والله ما الذئب في الغنم بالقياس إليه إلا من المصلحين، ولا السوس في الخز في الصيف عنده إلا من المحسنين»، ويصف بديع الزمان الهمذاني أحد قضاتهم فيقول: «يا للرجال، وأين الرجال؟ ولي القضاء من لا يملك من آلاته غير السباب، ولا يعرب من أدواته غير الاختذال، وما رأيك في سوس لا يقع إلا في صوف الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على الزرع الحرام، ولص لا ينتقب إلا على خزانة الأوقاف». ويقول بعض الشعراء:
إن شئت أن تبصر أعجوبة
من جور أحكام أبي السائب
فاعمد من الليل إلى صرة
وقرر الأمر مع الحاجب
حتى ترى مروان يقضي له
على علي بن أبي طالب
ومع ذلك؛ كانوا يغدقون على العلماء إغداقا كبيرا، فهم على الجملة نهابون وهابون.
فإن نحن تجاوزنا بني بويه في العراق، وما حوله وجدنا في القاهرة الفاطميين الذين شجعوا العلم والأدب أكبر تشجيع، فهذا الحاكم بأمر الله ينشئ «دار الحكمة»، وهؤلاء العلماء يجتهدون في كل أنواع العلوم، وهذا وزيرهم - مثلا - يعقوب بن كلس الذي كان من أصل يهودي وأسلم، قال فيه ابن خلكان: «كان يحب أهل العلم، ويجمع عنده العلماء، ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة، يقرأ فيه مصنفاته على الناس، ويحضره القراء والفقهاء، والنحاة، وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح، وكان في داره قوم يكتبون القرآن، وآخرون يكتبون كتب الحديث، والفقه، والأدب، حتى الطب، وكان يقيم كل يوم خوانا لخاصته من أهل العلم والكتابة، وخاصة أتباعه»، ولعل خير ما يمثل ميلهم إلى العلم بناؤهم للأزهر الخالد إلى اليوم.