ولذلك أيضا أسباب عكسية:
أولا:
غزوة التتار، وما أعقبته من تخريب ودمار، حتى أهلكت الأنفس، وأغرقت الكتب.
وثانيا:
سد باب الاجتهاد لما رأى العلماء أنهم عاجزون عن بلوغ شأو من قبلهم، وكان كل ما يأملون أن يسيروا على منهجهم، ويجروا على منوالهم.
وثالثا:
اضطهاد المعتزلة على يد المتوكل ومن بعده، حتى خفت صوتهم، وقد كانوا دعاة الحرية والتفكير، والتحذير من الخرافات والأوهام، وغلبهم المحدثون، وهم دعاة النقل، والرواية، والوقوف عند النص.
ورابعا:
غلبة الأتراك، وهم - والحق يقال - عنصر لم يكن مثقفا ثقافة تامة، ولا مشجعا للثقافة، وقد كانت العصور الماضية على العموم يعتمد علماؤها وأدباؤها على الولاة والأمراء الذين يفهمون علمهم وأدبهم، فلما عز من يفهم، لم يتشجع العلماء على أن يظهروا علمهم، فظللنا من آخر القرن الرابع تقريبا، ونحن في عماء، ومصداق ذلك ما نراه من الموسوعات «كالمسالك والممالك»، و«صبح الأعشى»، و«نهاية الأدب»، فكلها تقريبا ليست إلا جمعا لأشتات المتشابهات من غير تجديد.
ومن ملاحظتنا أن الأدب قد نما وترعرع أكثر من العلم بالمعنى الدقيق، فقد بلغ الأدب ذروته، وكانت الفوضى السياسية التي بدأت من قديم تعمل عملها، وتظهر نتائجها؛ وكان الأدب في الجاهلية أسلوبا أكثر منه موضوعا، وكان في العصر الأموي أدب أحزاب أكثر منه أدب أمة، وجاء العصر العباسي الأول ثم الثاني، فانتقلت معاني الفرس، والهنود، وفلسفة اليونان إلى اللغة العربية، وكانت غذاء صالحا للأدب، وجاء أمثال ابن المقفع، والجاحظ، وجعلوا للأدب موضوعا ، وجعلوا له أسلوبا، وجاء بشار وأبو نواس، فعبرا التعبير الصادق عن الحياة الاجتماعية الجميلة، لا الحياة الجاهلية القديمة، وجرى الشعراء على أثرهما، فلما جاء القرن الرابع، كان قد نضج كل ذلك، وأخذ الكتاب والشعراء يدخلون المعاني الجديدة في الأدب الجديد، فكان النثر والشعر يعبران تعبيرا صادقا عنه في الغالب. هذا إلى أن كثرة الأموال في الدولة، وعيشة الترف والنعيم عدت الأدب، فأخذ هو الآخر، يتزين ليعجب المترفين، وأخذ ما كان يبنى على الذوق الفطري من نقد يتحول إلى علم ذي قوانين، وكان القرن الرابع نهاية المطاف.
إنك لتقرأ تاريخ كثير من الأدباء فتراهم نكبوا؛ لأنهم ناصروا بعض البويهيين، فلما انتصر عليهم خصومهم، أهينو أشد أنواع الإهانة، وابن سينا الفيلسوف الكبير لعبت به السياسة لعبا كبيرا حتى فر أحيانا، وإذا كان الخلفاء والأمراء يقتلون أحيانا، وتسمل أعينهم أحيانا، ويستجدون الناس على أبواب المساجد أحيانا، فما بالك بالعلماء والأدباء؟ إن هؤلاء كلهم لو عاشوا في جو هادئ لأنتجوا خيرا مما أنتجوا، ولاستفاد الناس منهم أكثر مما استفادوا، فسلسلة الاضطرابات السياسية قطعت سلسلة العلم والأدب، فقد ظلا نائمين خادمين إلى النهضة الحديثة، حتى لو أننا فقدنا نتاج القرون الماضية من القرن الخامس إلى عصر النهضة لم نكن فقدنا كثيرا.
والعلم والأدب عادة في أشد الحاجة إلى هدوء بال، وطمأنينة نفس، وراحة في الرزق، فما لم توجد هذه الثلاثة لا يستوي لهما طريق، ولا يؤمل لهما نجاح، شأنهما شأن الزهرة الناعمة؛ إذا عصفت بها العواصف، ولم ترو في أوقاتها ذبلت، أو ضعفت.
وقد أخرج هذا العصر كثيرا من الأمراء والوزراء الذين شجعوا الحركة العلمية، إما لرغبتهم في العلم، وإما لتزيين مجالسهم بالعلماء، كما تزين بالتحف الطريفة؛ ذلك أنهم فيما مضى من العصور العباسية، كانت بغداد وحدها هي مقصد العلماء، والشعراء، والأدباء؛ لأنها عاصمة المملكة الإسلامية كلها، فلم يك ينبغ نابغ في أي قطر، ويحب أن يشتهر إلا ويقصد بغداد لينال هذه الشهرة.
فلما انقسمت الدولة الإسلامية إلى دول ودويلات صغيرة، تعددت العواصم، وتعددت رحلات العلماء والأدباء، فمنهم من كان يقصد القاهرة، ومنهم من كان يقصد حلب، ومنهم من كان يقصد الري، أو شيراز، أو بغداد، أو غيرها من البلاد، وكانت هذه المدن تتنافس في اجتذابها للعلماء، واشتهر في هذا العصر من الأمراء البويهيون في العراق، والفاطميون في القاهرة، والحمدانيون في حلب والجزيرة، والسامانيون فيما وراء النهر، وكل هؤلاء قربوا العلماء والأدباء إليهم، وأنفقوا على العلوم العربية، والآداب العربية، حتى إن بني بويه مع فارسيتهم، شجعوا اللغة العربية، والأدب العربي أكثر مما شجعوا الأدب الفارسي، واللغة الفارسية. ومن غريب أمرهم أنهم عدوا البلاغة وسيلة الوزارة؛ ذلك لأن الأدباء كانوا هم السياسيين، يتثقفون في السياسة ثقافة عامة مع الأدب، ولم تكن السياسة قد أصبحت علما كما هو اليوم، إنما كانت تدرك بالذوق الفطري، وتستفاد من التجارب، ومن كتب التاريخ؛ لهذا رأينا من أشهر الوزراء ابن العميد، والوزير المهلبي، والصاحب ابن عباد، وفي القاهرة يعقوب بن كلس، وغيرهم، وكلهم علماء أدباء، ولذلك تجد في كتبهم ورسائلهم كثيرا من المعلومات السياسية العامة، فابن العميد كان أديبا كبيرا، وله مذهب في الأدب معروف، مؤسس على السجع والجناس، وسائر أنواع البديع، وله كذلك شهرة كبيرة في السياسة، وقصده الناس والعلماء من كل ناحية، فهو يملي عليهم، ويقترح على الأدباء موضوعات يقولون فيها الشعر. وهذا الوزير المهلبي كان فقيرا وبائسا، وكان من قوله: