تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا سيف الدولة في حلب والجزيرة، كان مجلسه مملوءا بالشعراء والأدباء، وفيه بعض الفلاسفة كالفارابي، وبعض النحويين كابن خالويه.

وكان أيضا حاكما ظالما كالبويهيين، سهل له قاضيه كل مظلمة، حتى قال القاضي يوما: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك»، فكان سيف الدولة أيضا نهابا وهابا، يصادر الناس في أموالهم، ليمنحها للمتنبي وأمثاله، فيصوغون له قلائد المدح؛ وينطبق عليه الحديث: «ليتها ما زنت، ولا تصدقت».

لهذا كله أنتج القرن الرابع هذا كثيرا من العلماء في كل علم ، مثل: إبراهيم المروزي، والقدوري، والطحاوي، وابن السريج في الفقه، والدارقطني، والنيسابوري، وغيرهما في الحديث؛ وأبي على الفارسي، وابن دريد، والنحاس، وابن فارس، وابن جني، والزجاج، وابن درستويه، وابن السراج في النحو واللغة؛ والمتنبي، وأبي فراس، والناشئ، والنامي، وابن حجاج، وابن سكرة، وابن طباطبا، والخالديين في الشعر، وأبي هلال الصابي، والخوارزمي، وجحظة البرمكي، وبديع الزمان الهمذاني، وعلي بن عبد العزيز الجرجاني في الأدب؛ والطبري وابن زولاق، والشابشتي، والمسبحي في التاريخ، وابن جنزابة، والإصطخري، وغيرهما في الجغرافية، وابن مقلة في الخط، والجبائي، والحسن الأشعري، والكعبي، والبلخي في علم الكلام، وابن نباتة في الخطابة، فكل هؤلاء نشطت حركتهم، وكثر علمهم وأدبهم، مما لا أظن أن عصرا من العصور أخرج مثلهم، حتى جاءت الحركة الحديثة التي نشأت من الاحتكاك بالأجانب، والاقتباس من مدينة تغاير المدينة الإسلامية في كل ناحية من نواحي العلم والفن والحضارة، فأخذنا عنهم، وسرنا سيرهم، وتفتحت عيوننا بعض الشيء، فأخذنا نغربل القديم وننقده بأعيننا الجديدة، وصار أمامنا مدينتان مختلفتان: لعل المدينة الغربية منهما أوفر علما بمعنى العلم الحديث، وعلى أثر ذلك بدأت الحياة العلمية في الشرق تدب من جديد، وأمامها مادة وفيرة من المدنية الإسلامية، ومادة وفيرة من المدنية الغربية.

والمتأمل فيما يجري يرى أننا متجهون إلى اقتباس العلم والمخترعات بقدر كبير من المدنية الغربية، ومقتبسون الروحانية، والتصوف، والأسلوب، ونحو ذلك من المدنية الإسلامية؛ فنحن نمثل في الحقيقة الإسكندرية أيام كانت تقتبس من الشرق دينه، وروحانيته، وإلهامه، ومن اليونانية طبيعتها، وكيمياءها، وطبها، ونحو ذلك، أو كما فعل المسلمون في العصر العباسي الأول؛ إذ أخذوا الثقافة الهندية، والفارسية، واليونانية، والرومانية، ومزجوها بعضها ببعض، وكونوا ثقافة هي مزيج من كل ذلك، وصدق التعبير المشهور: «التاريخ يعيد نفسه»، ولكن قد يختلف شكل الإعادة حسب اختلاف الهيئات والظروف، وحقيقة الجوهر لا تختلف.

ونحن نؤمل أن العالم يسير إلى الأمام على العموم، قد تختلف بعض الأمم فتموت، وقد تتخلف بعض الأمم في بعض النواحي؛ ولكن العالم في جملته يسير إلى الأمام دائما؛ فعالم اليوم خير من عالم الأمس، قد كان العالم محكوما بحفنة من الملوك المستبدين، لا يرعون للشعوب حقا، وكانت تكفي الكلمة لقتل من شاءوا، ومصادرة من شاءوا - كما رأينا - ثم أصبح للشعوب حقوق، وللشعوب قوة، تعزل بها، وتولي، وتشرع، ولم يصل العالم إلى منتهاه بعد، فلا تزال فيه حفنة من قادة السياسة تقوم مقام الملوك، تعلن الحرب، وتخرب الممالك، ونحو ذلك، من أفعال سيئة، ولكن العالم سيتقدم، والعلم سيتقدم، والنظريات الغامضة ستتضح، ويفهم العالم في المستقبل القوانين التي تحكم العالم، والحقوق التي لهم على رؤسائهم، وستكون الشعوب هي التي تتحكم في أمورها، وترعى مصالحها ... قد يكون ذلك قريبا، وقد يكون بعيدا، ولكنه سيحدث على كل حال.

وهناك مسألة أخرى، وهي النظر إلى نوع ما شاع بين المسلمين كما رأينا من عظمة الثقافة الأدبية، دون العلمية، ونعني بالثقافة الأدبية، الأدبية بالمعنى الواسع الذي استعملت فيه كلمة الآداب، فتشمل الدراسة الأدبية، الشعر والنثر، والجغرافيا والتاريخ، وآداب اللغات؛ كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة كلية العلوم، من طبيعة وكيمياء، ورياضة، وجيولوجيا، ونحوها.

ظهر الإسلام · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٢١٥